Share |
يناير 1985
1
رسائل جامعية - دور البترول فى التنمية فى الجزائر
المصدر: السياسة الدولية
بقلم:   رجا سليم

محمود صلاح الدين الدعوشى ـ دور البترول فى التنمية فى الجزائر - رسالة دكتوراه ـ معهد البحوث والدراسات الأفريقية ـ جامعة القاهرة ـ 1983 ترجع أهمية هذا البحث إلى بيان كيف أن ظهور البترول فى صحراء الجزائر، كان من جهة، مسرحا للصراع بين فرنسا والجزائر ومن جهة أخرى إيذانا ببدء عهد تطور بعيد الأثر فى مستقبل تلك الدولة الناشئة وينقسم البحث إلى ستة أبواب، كل باب يتضمن فصلين تناول الباب الأول البترول فى الجزائر موضحا الخلفية الطبيعة والمناطق البترولية والتى تنقسم إلى ثلاث مناطق تختلف فيما بينها فى بنيتها وتاريخها الجيولوجى هى (الصحراء الغربية والصحراء الوسطى والصحراء الشرقية) وتتركز أحواض البترول الرئيسية فى منطقتين هما حوض حاسى مسعود الذى يقع غالبيته فى الصحراء الوسطى، وحوض الليزى الذى يقع فى الصحراء الشرقية، أما حقول الغاز الطبيعى فتتركز فى منطقة حاسى الرمل على الأطراف الشمالية لحوض حاسى مسعود، وفى عين صلاح فى المنطقة الجنوبية للصحراء الغربية لقد بدأت المحاولات الأولى لاكتشاف البترول فى الجزائر ابتداء من منتصف عام 1952 وأسفرت عن اكتشاف أكبر وأهم حقل بترولى هو حقل حاسى مسعود عام 1954 ولقد اتجهت أنظار وأطماع الحكومة الفرنسية إلى الصحراء الجزائرية، وما يضمه باطنها من ثروات بترولية وبعد أن تأكد وجود احتياطى ضخم منها شرعت فرنسا فى رسم البرنامج وإعداد المخططات وإصدار القوانين التى تنظم عمليات الاستغلال هذه الثروة، بل ادعت أن الجزائر فرنسية، ولما فشلت فى دعواها هذه لجأت إلى فكرة التقسيم، ومبدأ الصحراء غير جزائرية ونتيجة لفشل فرنسا فى تحقيق أهدافها، بدأت المفاوضات بينها وبين الجزائر وانتهت إلى توقيع اتفاقيات أيفيان التى وضعت حدا للحرب بين الطرفين ونظمت استغلال الثروات الموجودة فى باطن الأرض بالصحراء من بترول وغيره من المعادن، وفتحت الباب لاستقلال الجزائر عام 1962 ويوضح الباب الثانى الاتجاه العام لسياسة الجزائر البترولية منذ عام 1965 وكيف كانت تهدف إلى السيطرة الفعلية على جميع الموارد الطبيعية، وبوجه الخصوص البترول، وتعبئتها من أجل التنمية ولقد تبنت الجزائر استراتيجية عامة تقوم أساسا على تخليص الاقتصاد الوطنى من التبعية وتأمين الاستقلال الاقتصادى والسيطرة الفعلية على مجموع نشاطات القطاعات الاقتصادية الرئيسية للاقتصاد والسيادة الكاملة فى جميع ميادين الحياة الاقتصادية وتطبيق برنامج وخطط التنمية ولما كان الوضع البترولى عشية استقلال الجزائر يتسم بسيطرة فرنسا على كافة العمليات البترولية فى الجزائر، لذا طالبت الجزائر بإجراء مفاوضات مع فرنسا من أجل إرساء العلاقات البترولية بين البلدين على أسس سليمة وإعطاءها إطارا يراعى المصالح المشروعة للشعب الجزائرى ولقد أسفرت المفاوضات عن عقد اتفاقية 29 يوليه 1965 لتسوية بعض المسائل الخاصة بالوقود والتنمية الصناعية الجزائرية وترجع جهود التنمية فى الجزائر إلى فترة ما بعد الاستقلال مباشرة حيث تركز الاهتمام خلال الفترة من 1962 إلى 1966 على تنفيذ بعض البرامج السنوية بهدف سد حاجات المواطنين الذين أضيروا من جراء حرب التحرير، والعمل على إعادة تنظيم بعض جوانب الاقتصاد الجزائرى ولقد شكل كل من ميثاق طرابلس (يونيه 1962) وميثاق الجزائر (مارس 1964) الإطار النظرى لمهام مرحلة البناء، كما أوضح الميثاق الوطنى (يوليو 1967) الاتجاهات الرئيسية لسياسة التنمية الجزائرية تتضمن مجموعة من الهداف التى تعتبر عماد مخططات التنمية ويهدف أول مخطط للتنمية، المخطط الثلاثى (1967 ـ 1969) إلى تجميع الشروط الضرورية لخطة التنمية، ووضع الأسس الفنية والقانونية لتطبيق استراتيجية طويلة المدى للتنمية ويهدف المخطط الرباعى الأول (1970 ــ 1973) إلى زيادة الإنتاج القومى والاهتمام بالصناعة والزراعة وتكوين الإنسان القادر على تحمل أعباء التنمية ويهدف المخطط الرباعى الثانى (1974 ـ 1977) إلى دعم وتوسيع أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويهدف المخطط الحماسى (1980 ـ 1984) إلى تنظيم الاقتصاد القومى والعمل على تحسين مستوى المعيشة وتتطرق البحث بعد ذلك فى أبوابه التالية إلى دور البترول فى ثلاثة مجالات رئيسية للتنمية هى التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية والتنمية العمرانية ففى مجال التنمية الاقتصادية أوضح البحث كيف بدا التفكير منذ 29 يوليو 1965 فى وضع سياسة اقتصادية شاملة وكان الاهتمام منصبا على جانب من هذه السياسة، هى سياسة التصنيع وكانت الأهداف طويلة المدى وقتذاك والتى سيطرت لعام 1980، هى إقامة صناعة ثقيلة كقاعدة ضرورية للتطور ولقد حظى البترول بأهمية خاصة، حيث استأثر بأكثر من ثلث الاستثمارات الصناعية، وعملت الجزائر على تطويره ليكون أداة للتصنيع ومحركا للتنمية، وعاملا لتحقيق التقدم والرخاء، ولقد أوضح البحث مكانة البترول وتأثيره فى الاقتصاد الجزائرى من جهة استئثاره بأكبر نسبة من الموارد الاستثمارية وباحتلاله المكانة الأولى فى الصادرات الجزائرية، وفى زيادة القيمة المضافة
- وفى مجال التنمية الاجتماعية أوضح البحث كيف لعبت الاستثمارات البترولية دورا هاما فى تغير وتغيير المجتمع وكيف أدى البترول إلى زيادة ملموسة فى نمو السكان فى مناطقه والتى تتركز فى المدن ويرجع ذلك أساسا إلى الهجرة من الريف إلى هذه المدن نتيجة لعوامل الجذب التى ترجع إلى ظهور الصناعة التحويلية والبترولية والغازية وما أتاحته هذه النشطة من فرص عمالة كما ظهرت ونمت حول هذه المدن تجمعات سكانية هامشية (ضواحى) وتجمعات متناثرة ومتباعدة وكان من أهم الآثار الاجتماعية التى أحدثها البترول فى الجزائر تطور الحرف والوظائف وزيادة العمالة نتيجة لتنوع النشطة المختلفة التى ترتبت على وجود البترول كما حدث تحول مهنى فى السكان العاملين من حرفة الزراعة والرعى إلى قطاعات البناء والتشييد والصناعة التحويلية والبترولية والغازية ويعتبر هذا التحول أحد مظاهر الحراك المهنى التى اتسم بها المجتمع الجزائرى نتيجة لظهور البترول كما لعب البترول والنشطة المرتبطة به دورا هاما فى تحقيق بعض أهداف تنمية المجتمع فلقد أتاح فرصا لتحول أعداد كبيرة من الزراعة إليه وعمل على ظهور فرص عمل جديدة كما كان له دور فى تنمية القوى البشرية، تجلى ذلك بعد حصول الجزائر على استقلالها السياسى فى اهتمامها بالتعليم باعتباره أحد العناصر الأساسية لنجاح سياسة التنمية وكذا الاهتمام بالتدريب المهنى بهدف مواجهة احتياجات البلاد من الفنيين اللازمين للعمل فى أنشطة والمجالات الجديدة وكان الدور البارز فى هذا المجال هو الاهتمام بالتعليم الجامعى وإقامة المعاهد البترولية المتخصصة ومراكز التدريب الفنى فى أنحاء البلاد لتغطية الاحتياجات البترولية والصناعية وقد تم تحقيق بعض برامج التنمية المحلية، وخاصة بالولايات المتحدة المتخلفة والمحرومة، وذلك فى إطار سياسة اقتصادية واجتماعية تستهدف الحد من التفاوت القائم بين المناطق الغنية والفقيرة، كما تم تنفيذ مخططات البلدية للتنمية وبرامج خاصة بالحضر بهدف النهوض بالبيئة الحضرية عن طريق خلق مقومات البنية الأساسية اللازمة لدفع عجلة التنمية وفى مجال التنمية العمرانية أوضح البحث دور البترول فى حدوث بعض التطورات والتغيرات لبعض المدن وكيف شملت هذه التغيرات النواحى السكانية والاقتصادية والعمرانية ويمكن القول أن الطفرة التى ترتبت على وجود البترول كانت فى المرتبة الأولى نمو المدن وظهور التجمعات الحضرية الجديدة، وأن أهم صناعة خلقها البترول هى صناعة المدن، ولقد لعب البترول دورا هاما فى نمو بعض المدن القائمة كما تحولت بعض التجمعات إلى مدن نتيجة لقربها من المناطق البترولية واعتمادها على هذا النشاط، وعمل أنبوب البترول على نمو بعض المدن وظهور التجمعات الحضرية وخلق أنشطة جديدة وكان لموانى البترول دور أساسى فى نمو المدن القائمة بها، وفى تشكيل وتغيير وظائفها كما هو الحال فى مدينتى أرزيو وسكيكدة ولقد استفادت بعض المدن القائمة من البترول مثل الجزائر العاصمة فى الوسط ووهران فى الغرب وقسنطينة وعنابة وسيطف فى الشرق كما ظهرت بعض التجمعات الحضرية حول الحقول ونمت وتطورت لتصبح مدنا صغيرة وهى إما تجمعات حول حقول البترول، كما هو الحال فى متليلى شامبا بولاية الأغواط، وعين أمناس والليزى بولاية ورجلة، وعين صلاح بولاية تامنراست، وريجان بولاية الإدرار، أو تجمعات حضرية محطات كما هو الحال فى كل من دجاما وواد جيلال وأوماش بولاية بسكرة وباريكا بولاية باتنة كما بدأت مجموعة من التجمعات الحضرية الساحلية فى الظهور والنمو نتيجة اهتمام الدولة بموانيها ومحاولة إعدادها لتكون موانى لتصدير البترول والغاز فى المستقبل وأصبحت مدنا صغيرة وهى دلص وتشرشل والمرسى الكبير وبتيوة كما ترتب على وجود بعض النشطة الصناعية والبترولية ظهور تجمعات أخرى مثل الحجار بولاية عنابة وبومرداس بولاية الجزائر ولقد برز فى الجزائر ثلاثة أقطاب للنمو لعب البترول والصناعات البترولية والغازية باعتبارها صناعة قائدة أو رائدة دورا أساسيا فى نموها وتطورها بل وفى تأثيرها على الاقتصاد القومى فمدينة سكيكدة، التى تقع فى شرق الجزائر شهدت نهضة عمرانية بعد الاستقلال مباشرة نتيجة للتحول الذى حدث فى هيكلها الاقتصادى وفى السبعينات اتجهت إليها الأنظار كمدينة ساحلية لقيام صناعة حديثة بها ترتبط بالتصدير وقد احتل ميناؤها المرتبة الثانية بين موانى الدولة فى ميدان نقل البترول والغاز الطبيعى، الذى لعب دورا هاما فى تطوير الميناء وزيادة أهميته الاقتصادية كما ازداد نشاط الميناء بعد ربطه بآبار البترول فى الصحراء وإقامة المركب الصناعى البتروكيميائى وأصبحت المدينة بفضل المشاريع التى أنجزت منذ أوائل السبعينات، مدينة صناعية هامة جذبت أعدادا كبيرة من العمالة مما زاد من أعدا سكانها ومدينة آرزيو التى تقع فى غرب الجزائر لم تكن حتى الستينات سوى قرية صغيرة تجولت بعد الاستقلال إلى خلية عمل دائم وورش للبناء والتشييد وفى السبعينات أصبحت منطقة صناعية وشهدت نتيجة لذلك تطورا عمرانيا متزايدا مما جعلها تتخذ الصفة الحضرية، وأصبحت من المدن الصناعية الهامة بالجزائر، وكان ميناء آرزيو حتى نهاية الاحتلال ميناء صغيرا للصيد البحرى، وأصبح أحد الموانى الرئيسية لنقل البترول والغاز ومنطقة حاسى مسعود، لم تكن بئرا من الماء ضائع وسط الرمال وقد بدأت المنطقة تأخذ دورا هاما ومكانا متزايدا منذ ظهور الاكتشافات البترولية الأولى عام 1956 وكانت حاسى مسعود منطقة اقتصادية تابعة للمستعمر ومكملة لاقتصاده عن طريق استغلال هذه الثروة ولكن حصول الجزائر على استقلالها عام 1962 وتأميمات 24 فبراير عام 1971 أعادت للجزائر سيطرتها على الثروة البترولية وترجع أهمية حاسى مسعود إلى أن بها أول حقل للبترول اكتشف بالجزائر ينتج ما يوازى نصف إنتاج البلاد من البترول وزاد من أهمية المنطقة مد خط أنابيب لربطها بميناء بجاية عام 1958 ولقد أصبحت المنطقة نتيجة لاكتشاف البترول، منطقة صناعية تقوم على البترول، وعملت المرافق والمنشآت التى أقيمت والتى ما تزال تقام على تطوير المنطقة والمناطق المجاورة اقتصادية واجتماعيا وينتهى البحث بباب سادس يوضح تقييما لدور البترول فى التنمية ونظرة مستقبلية فيوضح البحث أنه رغم أن الجزائر نجحت نتيجة لاستراتيجيتها فى التنمية فى إحداث عديد من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية إلا أنها واجهت بعض المشكلات والصعوبات التى برزت كمعوقات أمام جهودها فى التنمية والتى تنحصر فى المعوقات الإدارية والطبيعية البشرية والاقتصادية والاجتماعية وأوضح البحث كلا الدورين السلبى والإيجابى للبترول وكيف بدأت الدولة مع بداية عام 1980 فى وضع الخطوط العريضة لسياسة إنمائية بهدف مواجهة المشكلات والسلبيات وقد تجلى ذلك فى المخطط الخماسى 1980 ـ 1984 بهدف إعادة التوازن الاقتصادى وتحقيق الحاجات الاجتماعية الأساسية، وفى لائحة الطاقة (ديسمبر 1980) بهدف الحفاظ على البترول وترشيد استهلاكه، كما تركزت جهود الدولة على الغاز الطبيعى لوفرته وباعتباره أنه سيحل محل البترول إذ أن الكميات المتاحة والمتوقعة منه يكفى فترة زمنية أطول من فترة البترول، كما بدأت جهود الدولة للبحث عن مصادر بديلة يمكن أن تحل محل البترول والغاز الطبيعى فى المستقبل وأوضح البحث فى خاتمة هذا الفصل كيف أن الجزائر فى حاجة إلى سياسة جديدة ترمى إلى تنمية وتطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى وخاصة الزراعة والتعدين والسياحة والصيد البحرى والغابات والرعى لما لهذه القطاعات من أهمية فى التنمية المستقبلية للجزائر وتعتمد هذه السياسة من جهة أخرى على حسن استغلال العائدات البترولية وتوجيهها من أجل تنمية وتكامل القطاعات الاقتصادية ومن أجل تنمية الموارد المحلية المتاحة، كما الجزائر فى حاجة إلى إعادة النظر فى استراتيجيتها التنموية والاعتماد على سياسة النمو المتوازن.