Share |
ابريل 1990
1
تحديات الأمن القومى المصرى فى التسعينات
المصدر: السياسة الدولية

مقدمة:
تواجه مصر خلال العقد القادم مجموعة كبيرة من المشكلات والتحديات، تشكلت فى معظمها نتيجة التغيرات التى تقع حاليا ـ وتكونت منذ مدة طويلة ـ فى النظامين الدولى والإقليمى وداخل مصر ذاتها وحتى يمكن لمصر أن تواجه ذلك بحيث تكون على أبواب القرن الواحد والعشرين أكثر قدرة على الانطلاق ومواجهة العصر الذى تسارعت معدلات تغيره التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية فإن عليها مواجهة هذه التحديات ويمكن القول أن هناك ثلاثة تحديات أساسية تواجه مصر هى: تحدى التنمية، وتحدى الديمقراطية وتحدى الأمن القومى والسياسة الخارجية هذه التحديات الثلاث سوف تتم مواجهتها وسط تغيرات كبرى وهائلة تجرى فى النظامين الدولى والإقليمى ينبغى متابعتها والتعرف عليها (1) لقد أصبح اليوم منطق القوة هو المتحكم فى تسيير العلاقات الدولية، وبهذا أصبحت الدول العظمى والكبرى هى المتحكمة فى مقدرات معظم دول العالم الثالث والعالم العربى جزء منه ويعتبر البعد الخارجى هو البعد الأساسى فى مفهوم الأمن القومى وقد زاد من حدة هذا البعد ما طرأ على النظام الدولى من تطور فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وانغماس كافة دول العالم فى العلاقات الدولية كل بحسب قدراتها ومصالحها، والتطور السريع فى وسائل الاتصال والمواصلات، وزيادة حجم التجارة الدولية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وتضارب وتعارض المصالح مما خلق وكرس ظاهرة الصراع الدولى وقد اندرجت كل هذه السمات تحت نظام دولى ثنائى القطبية يخلق تأثيرا مباشرا لسياسات وعلاقات القطبين الدوليين ـ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى ـ على باقى أعضاء النظام الدولى وفى هذه البيئة العالمية تتعامل الدول مع الدول الأخرى بفعل تأثير هذه الخصائص، حيث تدير الدولة علاقاتها الدولية فى تعاملها مع البيئة الخارجية بخليط من توظيف القوة واستثمار التعاون الدولى وحسن العلاقات، وبذا تصبح خاضعة لضغوط دولية فى تعاملاتها الخارجية، كما أنها هى الأخرى تمارس الضغوط بما لديها من قوة فإذا تعرضت الدولة لضغوط خارجية لا تقدر على موازنتها فإنها تكون فى حالة من التهديد الخارجى يؤثر على أمنها القومى وينقسم البعد الخارجى إلى مستوى إقليمى يرتبط بعلاقات الدولة مع دول الإقليم أو المنطقة الجغرافية التى تنتمى إليها (مكانة الدولة داخل النظام الإقليمى)، ومستوى دولى يرتبط بطبيعة النظام الدولى القائم وعلاقات الدولة فى المحيط الدولى وبحالة الأمن الدولى بشكل عام (2) ويعتبر البعد الداخلى هو البعد الحاكم فى مفهوم الأمن القومى نظرا لطبيعة الارتباط بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية ويرجع هذا البعد إلى مكونات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والعسكرية التى تشكل مظاهر قوتها الداخلية وتؤثر بالتالى على سياستها الخارجية، كما يرجع إلى طبيعة النظام الدولى المعاصر الذى يعرض الدولة للاختراق الخارجى والتبعية من دول أخرى لها مصالح واهتمامات داخل الدولة ويعود ذلك إلى ثورة المعلومات والتقدم التكنولوجى الكبير، وكثافة العمل الدبلوماسى، والتوسع فى الاعتماد التجارى والاقتصادى والاستراتيجى المتبادل بين الدولة والدول الأخرى ويؤثر على البعد الداخلى بعض العناصر أهمها: الخلافات الداخلية، والمشاكل الطائفية والأيديولوجية، والنشاط التنموى، والتماسك الاجتماعى ويعتبر البعد الداخلى هو الركيزة الأساسية للآمن القومى نظرا للتطور الكبير فى وسائل وأساليب التهديد، فعلى الرغم من التأثير الفعال للقوة العسكرية فقد تراجع دورها وأصبحت الأساليب والوسائل الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والنفسية والمعنوية تلعب دورا اكثر نشاطا على المسرح الدولى، ومن ثم أصبح الداخل هو المجال الخصب لتنفيذ دور هذه الأساليب والوسائل ومن الناحية الفعلية فإن الارتباط وثيق بين البعدين الداخلى والخارجى، والأمن القومى هو محصلة التفاعل بين هذين البعدين وينبغى أن يحتل الأمن القومى مكانة مركزية فى التفكير الاستراتيجى السياسى والعسكرى وذلك لأربعة اعتبارات أولها، أن الأمن القومى هو محور السياسة الخارجية لأى دولة التى تنطلق من مفهومها لأمنها القومى وحماية له وثانيهما، أن الأمة العربية تخوض صراعا مصيريا ضد غزوة صهيونية إسرائيلية، هى حلقة من سلسلة أطماع الدول العظمى والكبرى فى منطقتنا وثالثهما، أن أغلب دول العالم الثالث ـ ومصر من بينها ـ تواجه بشكل حاد مشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولقضية التنمية علاقة وثيقة بالأمن0 ورابعها، يترتب على ذلك أن أى تحديد لاستراتيجية العمل الوطنى/ القومى فى مجالات التنمية أو السياسات لخارجية وغيرها من الموضوعات يفترض وجود مفهوم أو نظرية للأمن تنطلق منه وتسعى إلى تحقيقه (4) أن نقطة البداية فى تحديد الإطار العام للأمن القومى هى اكتشاف مواقع القوة لاستغلالها، ومواضع الضعف لتجنبها وتعنى عناصر القوة تلك الأسس التى تشارك فى تحديد الأمن القومى للدولة وتمثل قاعدة عمل له، وأهم عناصرها العنصر الجيوبولتيكى والديموجرافى والسياسى والاقتصادى والعسكرى فى حين أن عناصر التهديد هى كل ما من شأنه تهديد القيم الداخلية للدولة وكيانها بفعل عوامل داخلية أو خارجية، فهى عوامل تشكل جوانب الضعف فى كيان الدولة، ويمكن أن تستغلها القوى المعادية لتهديد الأمن القومى لها، وأهم عناصرها عوامل التهديد ذات الطبيعة السياسية، والطبيعة الاقتصادية، والطبيعة الاجتماعية، والطبيعة العسكرية وبذا ينبع الأمن القومى للدولة أساسا من معرفتها لمصادر قوتها والعمل على تنميتها، ونقاط ضعفها والعمل على التغلب عليها (5) وللأمن القومى جانب موضوعا يمكن تحديد مكوناته وعناصره والتعبير عنه كميا، وجانب معنوى يتعلق بالقيم المطلقة ومدى ارتباط الشعب بالنظام السياسى القائم كما أنه ظاهرة دينامية تتطور بالحركة والتغيير وليس مرحلة تصلها الدولة وتستقر عندها والأمن القومى هو حقيقة نسبية وليست مطلقة وفى تاريخ الأمم لم تتواجد الدولة التى تمكنت من السيطرة على مقدرات العالم وأحكمت سيطرتها عليه ثم حققت لنفسها الأمن المطلق0 فالأمن المطلق لدولة ما، هو التهديد المطلق لدولة أو دول أخرى (6) مفهوم التهديد (التحدى) إن التهديد ـ فى مفهومه الاستراتيجى ـ هو وصول تعارض المصالح والغايات القومية إلى مرحلة يتعذر معها أيجاد حل سلمى يوفر للدولة الحد الأدنى من أمنها السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى والعسكرى، مع عدم قدرة الدولة على موازنة الضغوط الخارجية، مما قد يضطر الأطراف المتصارعة، أو أى منها، إلى اللجوء لاستخدام القوة العسكرية، ثم العودة مرة أخرى إلى التفاوض والحلول السلمية بعد أن يعاد فتح الطريق أمامها (7) وقد يكون التهديد دائما أو مؤقتا، كما قد يكون مباشرا أو غير مباشر ويستند التهديد الدائم على استمرار تعارض المصالح والغايات القومية، كما قد يستند إلى أصول جنسية أو عرقية تؤمن بامتيازها وتفوقها وضرورة سيطرتها على مقدرات وأراضى دول أخرى مجاورة تسكنها أصول جنسية وعرقية ترى أنها أقل منها تقدما ولعل أيمان الجنس الآرى أو الجرمانى بتفوقه على الأجناس الأخرى ونهجه فى التوسع وضم الأراضى، كان الأساس الذى بنى عليه فردريك راتزيل ـ وكارل ريتر ـ نظرياته ومبادئه من أن الدولة هى ـ كائن حى ـ وأنه لا سبيل أمام الدول الصغيرة والضعيفة للبقاء والحياة وأن الدول القوية تسحق فى طريق تقدمها الدول الضعيفة حولها ووضع راتزل قانونا لنمو الدول يرتكز على عدة مقومات كان أهمها: أن مساحة الدولة هى أفضل المعايير التى يستدل منها على قوة الدولة، وأن نمو الدولة ما هو إلا نتيجة تابعة لنمو سكانها، وأن الدولة تنمو بامتصاص أجزاء صغيرة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية من الأراضى حولها، وأن حدود الدولة ما هى إلا غلاف لرقعتها وهى ظاهرة دينامية قابلة للتغير وقد استفادت إسرائيل تماما من هذه النظرية، بل وقامت بتطويرها لصالحها0 أما التهديد المؤقت فهو الذى ينشأ نتيجة لأسباب مؤقتة تضع دولتين أو أكثر فى وضع تضارب المصالح والغايات القومية، فى حدث دولى معين، وخلال فترة زمنية محددة وبزوال هذه الأسباب تزول آثار هذا التهديد (8) ويعنى التهديد المباشر تعرض الدولة وحدودها السياسية وأراضيها ومياهها الإقليمية وأجوائها للعدوان العسكرى، وبالتالى تعريض أمنها ومصالحها القومية للخطر وفى المفهوم الاستراتيجى الشامل، يتجاوز التهديد المباشر مجرد التهديد العسكرى فإن تعرض المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة للمصالح العسكرية، لعدوان أو تهديد خارجى يعتبر أيضا تهديدا مباشرا للدولة أما التهديد غير المباشر فيعنى أحداث متغيرات غير مباشرة ـ قد تكون خارج الدولة أو داخلها ـ تؤدى على المدى المتوسط والبعيد إلى أضرار مباشر للأمن القومى بجميع جوانبه (9) وانطلاقا من هذه المفاهيم، سوف نستعرض بعض تحديات الأمن القومى المصرى والتهديدات الموجهة له فى التسعينيات، مع الوضع فى الاعتبار عدم وجود أمن مطلق أو عدم أمن مطلق، فلكل دولة عناصر قوتها وعناصر ضعفها وتشكل دراسة هذه العناصر الأرض الصلبة لتحديد تأثير التحديات والتهديدات الموجهة لمصر، وتأثير المتغيرات المرصودة التى تعطى الدولة ديناميتها، وبالتالى تعاون فى تصور شكل الدولة فى المستقبل المنظور وفى دراستنا هذه سوف نتجاوز تحديد عناصر قوة مصر الحالية ـ حيت أنها بعيدة عن السياق العام للدراسة ـ وننتقل مباشرة إلى تحديد بعض تحديات الأمن القومى المصرى فى التسعينيات خارجيا وداخليا أولا التحديات والتهديدات الخارجية للأمن القومى المصرى تمثل البيئة الخارجية الإطار، والمحددات، التى يتم من خلالها مواجهة تحديات عقد التسعينيات فالتطور المصرى لا يتم من فراغ فهو يتأثر بما يجرى فى العالم من متغيرات سياسية وعسكرية وتكنولوجية واقتصادية، يشكل بعضها تهديدا لمصر، ويمكن أن يكون بعضها الأخر موارد تستخدمها مصر خلال عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وكما أن البيئة الخارجية مصدرا للمخاطر، فهى أيضا ساحة للفرص والإمكانيات يتوقف حسن استخدامها على القدرات المصرية ذاتها كما يرتبط التطور المصرى إلى درجة كبيرة بالتطورات الحادثة فى الدائرة الإقليمية المحيطة بها مباشرة، ونقصد بها الدائرة العربية والدائرة الشرق أوسطية (10) لذا فإنه من أولى الاهتمامات عند بحثنا لموضوع تحديات الأمن القومى المصرى فى التسعينيات أن ندرك تماما ماهية طبيعة التحديات والتهديدات الخارجية الموجهة لمصر دوليا وإقليميا ونظرا لصعوبة رصد وتفسير وتحليل وتقويم كافة التحديات والتهديدات الخارجية للأمن القومى المصرى فى التسعينيات، فسوف نلقى بعض الضوء على أهم تلك التحديات والتهديدات وفى إطار ذلك سيتم الإشارة إلى تأثير الصراع الدولى، وإسرائيل، والانتشار النووى فى المنطقة، ومشكلة مياه النيل، والأطماع الإقليمية، والأوضاع الاقتصادية العالمية على الأمن القومى المصرى فى التسعينيات ا ـ الصراع الدولى: سيظل الشرق الأوسط والمنطقة العربية ومصر فى مركزها، رغم الوفاق الجديد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، لسنوات قادمة مسرحا للصراع الدولى ولسياسة الاستقطاب بين القوتين العظميين نظرا لاستمرار تضارب المصالح بينهما وسعيا وراء هذه المصالح سوف يستمرا فى استغلال المشاكل الإقليمية والعمل على استمرارها ومن أبرز هذه المشاكل مشكلة الشرق الأوسط المتمثلة فى القضية الفلسطينية التى فرضت نفسها ـ نتيجة للانتفاضة الفلسطينية فى الأراضى المحتلة ـ على المجتمع الدولى كبؤرة ساخنة لاحتمالات المواجهة الدولية، والتوتر فى منطقة الخليج التى أصبحت إحدى قضايا الساعة رغم توقف أعمال القتال المسلح خاصة وأن المنطقة تمثل الحد الجنوبى لخط المواجهة بين حلفى الأطلنطى ووارسو (11) وقد مرت علاقات القوتين العظميين بمراحل متعددة من الحرب الباردة والوفاق الدولى وكانت فترة الوفاق الأولى بين عامى 65 ـ 1975، ثم تجمد هذا الوفاق بين عامى 75 ـ 1985، ثم عاد إلى مرحلة الانفراج منذ عام 1985 وحتى الآن، وتوج باتفاقية واشنطن فى 8 ديسمبر 1987 الخاصة بإزالة الأسلحة النووية المتوسطة والأقصر مدى، والتى بعثت مناخا جديدا من الثقة بين القوتين العظميين (12) وقد انعكست اتفاقية واشنطن على تهدئة الصراعات الإقليمية ـ على الأقل بشكل مؤقت وحيث أن الاتفاقية انصبت بشكل رئيسى على موضوع الأسلحة النووية، فإن انعكاسها على الصراعات الإقليمية يعنى خلو مناطق الصراعات الإقليمية من الأسلحة النووية وما يخصنا فى هذا الموضوع هو منطقة الشرق الأوسط ـ منطقة الصراع العربى الإسرائيلى ـ وشرق البحر المتوسط وفى هذا المقام لجد عدم رغبة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى جعل المنطقة خالية من الأسلحة النووية حيث تجد الولايات المتحدة فى المنطقة قربا استراتيجيا وجيوبوليتكيا من الاتحاد السوفيتى، كما يراها الاتحاد السوفيتى ضرورية له لموازنة التواجد النووى الأمريكى ولتهديد الجناح الجنوبى لحلف الأطلنطى وفى حالة تمكن أوروبا من إنشاء قوة نووية مستقلة لتعويض الأسلحة النووية المتوسطة والأقصر مدى التى اتفق على إزالتها فسوف تسعى لتامين جناحها الجنوبى بخط دفاع نووى على البحر المتوسط مع استمرار احتفاظ إسرائيل بقوتها النووية واستمرار عدم توقيعها على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وبذا فإن التهدئة الحالية فى الصراعات الإقليمية ـ ومن بينها الصراع العربى الإسرائيلى ـ نتيجة للانعكاسات الدولية للعلاقات الأمريكية السوفيتية هى تهدئة مؤقتة، ومازالت هذه الصراعات تحمل فى طياتها عوامل أثارتها مرة أخرى (13) ورغم ذلك فسوف يتسم النظام الدولى ـ وانعكاسه على الصراع الدولى ـ بعدد من السمات الرئيسية نتيجة لمجموعة التطورات الكبرى التى شهدتها فترة الثمانينيات، والتى سوف تنعكس بالضرورة على فترة التسعينيات واهم هذه السمات استمرار الوفاق الجديد بين القوتين العظميين من احتمال تطوره، حيث أن اتفاق الدولتين فى الخطوط العامة للقضايا المتعلقة بها وبالتالى مصير العالم كله، واستمرار لقاءات القمة بينهما سوف يكون له أثر إيجابى على القضايا الإقليمية، وذلك استنادا إلى تلك العلاقة الجدلية بين طبيعة المناخ العالمى الذى يتسم بالوفاق بين القوتين العظميين وبين السعى نحو حل المشاكل الإقليمية بغض النظر عن تفاصيل الحلول المطروحة لكل مشكلة على حدة والسمة الثانية هى مرونة النظام العالمى وبلورة القوى الجديدة، فالواضح أن النظام العالمى بدأ يشهد بوادر تحلل القطبية الثنائية، والانتقال إلى القطبية الثنائية المرنة التى تسمح ببلورة قوى جديدة، إلى احتمال تعدد القوى مع بداية القرن الحادى والعشرين ومن القوى الجديدة المحتملة الصين واليابان وأوروبا الغربية والسمة الثالثة هى الاتجاه العام نحو ديموقراطية الأنظمة السياسية عالميا، حيث ستزداد درجة الديمقراطية فى دول عديدة فى العالم، مع زيادة حجم المعارضة فى هذه البلدان والسمة الرابعة والأخيرة هى تراجع الأيديولوجيات التقليدية وإطار الصراع الدولى حيث لم تعد هذه الأيديولوجيات التقليدية محددا للصراعات العالمية أو محددا لأساس العلاقات بين دول المعسكرين الغربى والشرقى وأستبدل متغير الأيديولوجية كأساس للصراع الدولى بمتغير المصلحة القومية، وينسحب ذلك على العلاقات مع دول العالم الثالث وبين دول العالم الثالث والدول الأخرى فيما بينها (14) وفيما يختص بالنظام الإقليمى، فسوف تبقى قضية الصراع العربى الإسرائيلى فى لب السياسة الخارجية المصرية فى التسعينيات ومما يعطى مصر قوتها فى هذا المجال تصاعد الحاجة إلى الدور المركزى المصرى، والتحرك نحو الإجماع العربى، وتزايد الوزن السياسة والثقافى والعسكرى القومى المصرى، وأتساع آفاق التعاون الإقليمى المتمثل فى مجالس التعاون الاقتصادى الإقليمية (15) ولاشك أن أهم العناصر التى تحكم طبيعة الدور الفعلى لدولة ما هو وزن هذه الدولة على المستوى الإقليمى ثم على المستوى الدولى، ويستمد هذا الوزن من عدد من المؤشرات التى تتلاقى لتبيان وضع هذه الدولة إقليميا وعالميا وبعيدا عن أى أطر نظرية مختلفة، فإن الدور القائد لمصر على المستوى الإقليمى أعطى لها وزنا على المستوى العالمى وقد استمد هذا الدور من خلال تبنى سياسات لها طبيعة عالمية، يؤيدها أربعة أبعاد أساسية هو حجم العلاقات الدبلوماسية المصرية، والدور المصرى فى المنظمات العالمية والإقليمية، ودور مصروف بعض المشاكل الدولية والإقليمية، وطبيعة التعامل الدولى والإقليمى مع مصر (16) ورغم ذلك ستبقى انعكاسات الصراع الدولى على مصر، والمنطقة العربية، لعدم تغير المصالح الأساسية للقوتين العظميين فى منطقة الشرق الأوسط، والتى يأتى على رأسها المصالح الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية.
2 ـ التحدى الإسرائيلى: دون العودة إلى الجذور التاريخية لقضية الصراع العربى الإسرائيلى فإنها كانت ومازالت وستظل من القضايا ذات التأثير المباشر على الأمن القومى العربى بصفة عامة، والأمن القومى المصرى بصفة خاصة، رغم سعى مصر الدائم لحل المشكلة سلميا وفى إطار المؤتمر الدولى وتعتبر مرحلة السلام الحالية هى إحدى مراحل الصراع العربى الإسرائيلى، خاصة مع استمرار اتباع إسرائيل لسياستها التوسعية، ولجوئها لاستخدام القوة العسكرية لحل المشاكل السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية (17) ويزيد من تأثير هذه القضية على الأمن القومى المصرى والعربى بعض المعوقات التى تعترض إمكانية حلها فى الوقت الراهن، وستلقى بتبعاتها على فترة التسعينيات وأهم هذه المعوقات هى: عدم وحدة الجبهة الفلسطينية وتباين اتجاهات فصائلها، والفرقة والتحزب العربى وعدم وجود استراتيجية عربية موحدة تؤدى إلى وحدة المواقف والرؤية المشتركة لأسلوب الحل، ومناورات الأحزاب السياسية فى إسرائيل لعدم الوصول إلى الحل النهائى للقضية باستغلال عناصر الفرقة العربية، واختلاف وجهتى نظر كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى بشأن عقد المؤتمر الدولى وأسلوب حل القضية (18) وتستخدم إسرائيل مصطلح ـ الأمن ـ كمبرر أو غطاء لكل أو أحد أركان استراتيجيتها العسكرية كما أنه من الصعب تحديد الهدف النهائى لدولة إسرائيل، وهو الأمر الذى من شأنه أن يلقى بظلاله خلال فترة التسعينيات وتتنوع الأهداف الإسرائيلية وتتعدد وتختلط فى كثير من الأحيان بإستراتيجية تحقيقها وتتحدد الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه العرب بالتوسع الإقليمى، وضمان التفوق العسكرى الإسرائيلى فى المجال التقليدى والنووى والفضائى على العرب ككل، وضمان الحفاظ على يهودية دولة إسرائيل بالتأكيد على الأغلبية اليهودية، والحفاظ على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة مع العمل على عدم إيجاد بديل عربى ممكن لإسرائيل فى استراتيجية الولايات المتحدة، ومنع قيام دولة فلسطينية على أى جزء من فلسطين، وتكثيف النشاط الإسرائيلى فى أفريقيا لإحباط السياسة المصرية والعربية علاوة على نشاطها فى أوروبا ومجموعة دول حلف الأطلنطى (19) وإضافة لعناصر التحدى الإسرائيلى التقليدية، فقد تواجدت عناصر جديدة أضفت على هذا التحدى العديد من المخاطر الجديدة، يأتى على رأسها دخول إسرائيل المجال النووى والمجال الفضائى والصواريخ المضادة للصواريخ نتيجة لاشتراكها فى أبحاث مبادرة الدفاع الاستراتيجى الأمريكية ومن ثم جاء اشتراك إسرائيل ـ منذ عام 1985 ـ فى مبادرة الدفاع الاستراتيجى الأمريكية ليطرح من جديد وبقوة ضرورة الوعى بماهية وعواقب مرحلة جديدة من مراحل تطور تكنولوجيا التسليح الإسرائيلى وعلاقاتها بالاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، ومن ثم انعكاساتها ومدلولاتها بالنسبة لمستقبل الصراع المصيرى بين العرب وإسرائيل ويمكن أن يتحقق هذا الوعى من خلال مقترب سياسى استراتيجى تتقاطع على صعيده مستويات تحليلية عالمية وإقليمية ووطنية، كما تتكامل حوله تحليلات سياسية وأخرى عسكرية فنية (20) وسيتطلب الأمر، استعدادا للتسعينيات، دراسة الأبعاد العالمية والإقليمية للعلاقة بين تطور تكنولوجيا السلاح وبين تطور سباق التسلح والاستراتيجيات العسكرية والغرض من هذا التحليل إبراز التفاعل بين المستوى العالمى لهذه القضية والمستوى الإقليمى والوطنى الذى نحن بصدده فمن ناحية، نجد أن مبادرة الدفاع الاستراتيجى الأمريكية تمثل الحلقة الراهنة من حلقات تطور التفاعل بين التكنولوجيا الأمريكية والاستراتيجية الأمريكية فى العصر النووى، ومن ناحية أخرى هناك التفاعل بين الأطراف الإقليمية المعنية ـ إسرائيل ـ ومدلولاته بالنسبة لحالة توازن القوى العسكرية فى المنطقة وتطور هذه الحالة فى ظل تطور القدرات والاستراتيجيات العسكرية لهذه الأطراف خلال فترة التسعينيات، حيث أن دوافع ونتائج اشتراك إسرائيل فى المبادرة تمثل علاقة أساسية فى هذا السياق بجوانبه المختلفة كما أن البحث فى هذه المدلولات إنما يمهد لفهم حقيقة ما أضحى عليه وضع إسرائيل فى الاستراتيجية الأمريكية منذ بداية اشتراكها فى أبحاث المبادرة،، وما قد يؤول إليه الوضع عند تطبيقها كما تتطلب دراسة أبعاد التعاون الأمريكى الإسرائيلى فى مجال، لمبادرة البحث فى وضع هذه المرحلة الجديدة من هذا التعاون العسكرى بين المراحل السابقة له على ضوء الوضع المتطور لدور إسرائيل فى الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة وشكل ودرجة هذه الاشتراك وتطور الإطار التنظيمى له، ثم البحث فى أسباب ودوافع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وراء اشتراك الأخيرة فى المبادرة، مع توضيح مبررات التأييد والمعارضة لهذا الاشتراك داخل كل من الدولتين كما يجب دراسة تأثير اشتراك إسرائيل فى المبادرة على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية مع التركيز على مستويين هما: عناصر الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الجديدة، ثم أسلوب الاستخدام السياسى للقوة العسكرية الإسرائيلية فى النهاية لابد وأن تنتهى الانتقالات السابقة ـ عند الخيارات والآفاق أمام السياسة المصرية والعربية، وأسلوب رد الفعل المصرى والعربى ـ عن الإعلان عن هذا الاشتراك، وتصور عواقب نتائجه على فعالية النظم الدفاعية والهجومية المصرية والعربية، والمصادر البديلة التى يمكن بمساعدتها تعويض الفجوة الناشئة، والقيود والضغوط أمام توظيف الانتفاع بهذه المصادر (21) إن العلاقة بين التطور فى التكنولوجيا العسكرية وبين التطور فى الإستراتيجيات العسكرية القوتين العظميين يكون لها انعكاسات على التوازن الشامل بينهما، وعلى توجهاتها وسلوكها تجاه حلفاء لهما فى المناطق الساخنة، وخاصة على صعيد العلاقات السمكرية بمختلف صورها كما تؤثر هذه الأبعاد العسكرية على طبيعة ودرجة ومصادر سباق التسلح بين العرب وإسرائيل، ومن ثم على توازن القوى العسكرية واستراتيجيات المواجهة العسكرية التى مرت بنقاط تحويلية فى ضوء خبرات الحروب العربية الإسرائيلية المتتالية التى كانت ساحة لاختبار نظم التسليح المتقدمة من المصادر الغربية والشرقية على حد سواء وأخيرا، تتفاعل هذه الأبعاد الخارجية خلال تأثيرها مع أبعاد إقليمية وقومية عربية وإسرائيلية (مثل درجة القدرة على التعامل مع التكنولوجيات الحديثة ونظم التسليح المتطورة، ودرجة التقدم فى التصنيع الحربى، ودرجة التقدم التكنولوجى وتطور القاعدة الصناعية المدنية والعسكرية) (22) ـ 3 ـ الانتشار النووى فى المنطقة يتوجب علينا مع بداية عقد التسعينيات إلقاء بعض الضوء على مستقبل القوات المسلحة، والقوات العسكرية كأداة للسياسة القومية فى عالم تطل عليه ظلال الأسلحة النووية، مع تنامى القدرات العسكرية التقليدية والنووية لبعض دول العالم الثالث ـ خاصة منطقة الشرق الأوسط ـ مع ميل هذه الدول لعسكرة الصراع بينها لحل المشاكل القائمة، مما يعتبر إحدى المشاكل الرئيسية التى تتسبب فى نشوء الصراعات الإقليمية وخروجها عن حيزها الإقليمى وتهديدها للسلام العالمى (23) وقد كثر الحديث هذه الأيام ـ وسيمتد خلال التسعينيات ـ عن اختيار بعض دول منطقتنا وعلى رأسها إسرائيل اتباع التكنولوجيا الحديثة ـ فى صورة الأسلحة النووية ـ لتعويض التفوق العددى الذى يتمتع به الخصوم المحتملون لهذه الدول، أو لمجاراة الخصم الذى يمتلك بالفعل هذه النظم من الأسلحة ومما يضاعف من هذه المشكلة عدم قدرة دول المنطقة على زيادة قوتها العسكرية بالشكل المطلوب ـ رغم استمرار حصول جميع الأطراف على أسلحة جديدة وحديثة، مع تعذر إجراء الزيادة المطلوبة فى حجم القوات المسلحة سياسيا، وعدم القدرة على تحمل أعبائها اقتصاديا لذا يرجح البعض الخيار النووى فى المرحلة المقبلة من الصراع العربى الإسرائيلى، حيث أن التهديد باستخدامه ضد أى هجوم قوى يمنع نجاح مثل هذا الهجوم وترى إسرائيل أنها سوف تواجه بقوات متفوقة للدول العربية، خاصة مع بدء الصراع المسلح أن لم يكن طوال فترة الصراع، كما أن أسلوب قتال القوات العربية سوف يعتمد على أنساق قتالية متلاحقة لزيادة القوة الدافعة للهجوم، وأن هذا الأمر سيتطلب منها مواجهة الهجوم سواء كان ذلك بالقوات التقليدية أو بخليط من الاستخدام التقليدى وفوق التقليدى (الأسلحة الكيماوية والبيولوجية) والنووى وفى إطار هذه الرؤية لا يمكن استبعاد استخدام إسرائيل الردع النووى للتفوق على القوات التقليدية العربية (24) ونتيجة للسباق المحموم للتسلح، تتوافر حاليا لدى العديد من الدول الصغيرة فى العالم قوات مسلحة قد تكون صغيرة الحجم إلا أنها ذات نظم تسليح متطورة وقوات تقليدية قوية، مع احتمال وجود مخزون صغير من الأسلحة النووية التكتيكية، مما يزيد من احتمال حدوث حروب نووية محلية تهدد السلام الإقليمى والدولى للخطر ويعيش العالم الآن فى زمن قد تلجأ فيه بعض الحكومات غير المسئولة إلى استخدام الأسلحة النووية بطرق متعددة، ولأسباب متعددة، كلها فى الواقع غير منطقية وغير مسئولة (25) وقد وضع هذا التهديد النووى الدول العربية أمام ثلاثة خيارات الخيار الأول، محاولة تملك الأسلحة النووية مع ما يتطلبه ذ لك من مخاطر خارجية، ومن حجم كبير من الإنفاق، واستيراد للتكنولوجيا والخيار الثانى، تقوية القوات التقليدية بنظم تسليح متقدمة للغاية تكنولوجيا، مع الحصول على الصواريخ أرض ـ أرض ذات الرؤوس التقليدية (التى يمكن استخدامها لإغراض أخرى) واستخدام الوسائل فوق التقليدية لموازنة القوة النووية للخصم والخيار الثالث، العمل السياسى لدفع إسرائيل للتوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، مع الاعتماد على عنصر الردع التقليدى وفوق التقليدى لموازنة الخطر النووى الإسرائيلى (26).
4 ـ مشكلة مياه النيل أصبحت منطقة حوض النيل تمثل أهمية بالغة لمصر لاحتوائها على العديد من المناطق الأمنية التى تمثل تهديدا مباشرا، وغير مباشر، للأمن القومى المصرى وتبرز أهمية هذا الاتجاه فى: تواجد منابع ومجارى النيل الذى يعتبر شريان الحياة الرئيس لمصر والمصريين، وتواجد السودان الذى يمثل امتدادا وعمقا استراتيجيا لمصر، كما أنه أسهل وأقصر الطرق للوصول إلى دول حوض النيل لمواجهة أى أخطار تتعرض لها هذه الدول (27) وتؤثر الصراعات الموجودة فى هذا الاتجاه تأثيرا مباشرا على مصالح مصر النيلية، وتهدد بالتالى الأمن القومى المصرى وأهم هذه الصراعات، التى سوف تستمر خلال التسعينيات، هى: مشكلة الجنوب السودانى وأثرها على وحدة السودان ومشروع قناة جونجلى وباقى المشروعات الزراعية ومشروعات الطاقة الأخرى، ومشكلة الحدود السودانية الأثيوبية التى تعود بدرجة كبيرة ـ إضافة للمشاكل الحدودية ـ إلى مشكلة الثورة فى إقليم تيجراى وإقليم إرتريا الأثيوبيين اللذان تدعمهما السودان، إضافة لبعض الصراعات الإقليمية الأخرى لدول الحوض وقد تؤدى هذه الصراعات، ضمن أسباب أخرى، إلى تهديد كل من منابع ومجارى النيل، كما يتمثل تهديد الدول الواقعة فى حوضه فى إنقاص حصة مصر من المياه التى تصلها سنويا ويعود ذلك لاعتماد دول حوض النيل حاليا على مياه النهر فى الزراعة بدلا من مياه الأمطار، مع عدم تقيد هذه الدول باتفاقيات مياه النيل المبرمة بحجة أنها أبرمت فى ظل السيادة الاستعمارية علاوة على تجاهلها لمصالح باقى دول الحوض بإنشاء مشروعات الرى وتوليد الطاقة دون التنسيق مع باقى دول حوض النيل، وعدم إعطاء عناية كافية لتنفيذ المشروعات المخططة لضبط مياه النهر وتقليل الفاقد، مع تعرض بعض المشروعات المقامة على مجرى النهر لأعمال العرقلة والتخريب (قناة جونجلى)، (والانفجار السكانى فى بعض دول النيل وخاصة دول المنبع كينيا ـ أثيوبيا) (28) لقد بدأت تهديدات الأمن القومى المصرى تتداخل مع بعضها، ومن المتوقع أن تتراكم إفرازاتها مستقبلا فى الاتجاه الاستراتيجى الجنوبى (دول حوض النيل)، حيث يدور الصراع العالمى حاليا حول الطاقة بينما سيدور فى المستقبل حول الغذاء الذى يعتمد اعتمادا كليا وجزئيا على المياه، وبذا من المتوقع أن يدخل نهر النيل (منابعه ـ محابسه) فى دائرة الصراع العالمى من هنا يمكن لواضعى الاستراتيجية المصرية أن يحددوا الخطوط الرئيسية للاستراتيجية التى يمكن التحرك فى إطارها لبناء علاقات قوية مع دول حوض النيل، جوهرها التعاون فى شتى المجالات بما يخدم المصالح القومى المصرية حاليا ومستقبلا، وأن ينبع مفهوم أمن منابع النيل من وجهة النظر المصرية أساسا من حرص مصر على مصالح دول الحوض وقواعد القانون الدولى الذى ينظم أسلوب استغلال الأنهار الدولية ومن خلال هذا المفهوم يجب أن تعمل مصر على الحفاظ على الحقوق المكتسبة من مياه النهر، والعمل على زيادة الإيرادات المائية لصالح دول الحوض مستقبلا لمواجهة الطلب المتزايد على مياه النهر (39) من الضرورى تحديد الأهداف القومية المصرية فى حوض النيل حتى تكون مصدرا للاستراتيجية القومية الشاملة، وحتى تكون محددات لتوجهات مصر المستقبلية وموعدا للعلاقات المصرية مع دول الحوض كما يجب أن يوضع فى الاعتبار زيادة التواجد الإسرائيلى فى دول المنبع، واتجاهات عمل القوى الخارجية، والتطور التكنولوجى العالمى المتوقع خلال التسعينيات كما يجب التفكير فى البدائل المطروحة، والعمل على تهيئة الظروف المناسبة لاستخدامها وتحديد استراتيجية شاملة للتسعينيات تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، فى ظل تعاون وثيق بين دول الحوض وباقى الدول الأفريقية والعربية، وباستغلال الإمكانات الذاتية المدعومة بالإمكانيات العربية والمنظمات العالمية والإقليمية، مع تطوير هذا التعاون تدريجيا ليحل محل القوى الاقتصادية الأجنبية الموجودة على الساحة النيلية ويجب أن تعمل مصر لتأمين المصادر المائية لنهر النيل لضمان استمرار تدفقه والحصول على نصيب مصر العادل من مياهه، والعمل الدبلوماسى الدائب لزيادة هذا النصيب لمواجهة خطة التنمية الزراعية واستصلاح الأراضى، مع تأمين الأهداف الحيوية والمنشآت والمشروعات المائية النيلية، وتأمين الحدود القائمة والعمق الاستراتيجى ضد أى وجود معاد ويتطلب كل ذلك إعطاء دول حوض النيل أولوية متقدمة فى سياسة مصر الخارجية، مع صياغة سياسات طويلة المدى تجاه هذه الدول (30).
5 ـ الأطماع الإقليمية تتمثل الأطماع الإقليمية الرئيسية فى أهداف واستراتيجيات كل من إسرائيل وإيران وقد تعرضنا للتحدى الإسرائيلى وأهداف إسرائيل ومطامعها التوسعية، ونقتصر فى هذه الجزئية على أطماع إيران الإقليمية (31) تعتبر الحرب العراقية الإيرانية بلا جدال من أهم أحداث الثمانينات، التى هزت بعنف منطقة الشرق الأوسط ولا ترجع أهمية هذه الحرب إلى كونها حربا بين أكبر دولتين فى منطقة الخليج العربى، لهما مكانتهما المرموقة فى العالمين العربى والإسلامى، بقدر ما ترجع إلى جسامة المشكلات الناجمة عن هذه الحرب، سواء على الصعيد المحلى لطرفيها، أو على الصعيد الإقليمى فيما يتعلق بالتوازن الاستراتيجى فى منطقة الشرق الأوسط بوجه عام وفى العالم العربى بوجه خاص، أو على الصعيد الدولى فيما يتعلق بآثارها على مدى تواجد ونفوذ القوتين العظميين فى المنطقة وتعتبر منطقة الخليج العربى محطا لأنظار القوتين العظميين، ومسرحا لاستراتيجيتهما الكونية لتحقيق مصالحهما فى المنطقة، وسيستمر ذلك خلال فترة التسعينيات، مما يؤدى إلى استمرار وجود تهديد مباشر للأمن القومى العربى والمصرى (32) وقد ظهرت المطامع الإقليمية الإيرانية عندما بدأت إيران تعد نفسها فى نهاية الستينيات لملىء الفراغ الناشئ عن انسحاب بريطانيا من شرق السويس، ثم قامت عام 1971 باحتلال الجزر العربية فى مضيق هرمز، وتوقيع اتفاقية مع سلطنة عمان تخول لإيران حق السيطرة على مدخل الخليج العربى مقابل إرسال قوات إيرانية للقتال ضد ثوار إقليم ظفار العمانى (33) ثم أحدث قيام الثورة الإيرانية صدعا فى التوازن الإقليمى، ونادت الثورة الإيرانية بالفكرة الإسلامية الجامعة بديلا عن حركة القومية العربية، وقام قادة الثورة بالتهديد بتصدير ثورتهم الإسلامية إلى الدول المجاورة وتخوفت الدوائر الحاكمة فى دول الخليج من احتمالات تصدير الثورة إليها خاصة مع إعلان الإمام الخمينى فى ذلك الوقت أن نظام الملكية يتنافى مع الإسلام وأن البحرين جزء من أراضى إيران (34) كما تدخلت الدولة الإيرانية فى الصراع الدائر فى لبنان بتبنيها لعدة جماعات شيعية موالية تعمل لمصلحتها على الأراضى اللبنانية، وذلك للتأثير على الصراع الدائر على الساحة اللبنانية لصالحها وقد توقفت الحرب العراقية الإيرانية نتيجة لقبول الطرفين لقرار مجلس الأمن رقم 598 لسنة 1987، إلا أن المطامع الإقليمية لإيران لم تتوقف، ولن تتوقف خلال فترة التسعينيات وكان من محصلة هذه الحرب الطويلة بعض الدروس التى يجب الاستفادة منها، من أهمها: أن حروب الشرق الأوسط هى حروب ممتدة يصعب حسمها تماما فى ساحة القتال، وأن التضامن العربى شرط ضرورى لإدارة أى صراع مع أهمية استمرار هذا التضامن بعد توقف القتال المسلح وحتى تحقيق النصر، وظهور أهمية مصر كقاعدة وسياج للتضامن العربى وقد ترتب على وقف إطلاق النار بين العراق وإيران بعض الآثار من أهمها: نتيجة للتكاليف الباهظة التى تكبدها الطرفان فقد أصبح اللجوء للحسم العسكرى أمرا بعيد الاحتمال لسنوات عديدة قادمة، وبروز ملامح محور عربى رئيسى يضم مصر والأردن والعراق تبلور أخيرا فى صورة مجلس التعاون العربى الذى تكمن أهميته فى احتوائه على ثقل عربى اقتصادى سياسى عسكرى يصعب مجاراته ومن شأنه أن يشكل مركز ضغط إقليميا ودوليا، وعودة مشكلة الشرق الأوسط الأساسية وهى القضية الفلسطينية إلى قمة أولويات سلم اهتمامات العرب والعالم خاصة مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية فى الأراضى المحتلة، وبروز العراق كقوة عسكرية عربية كبيرة يمكن الاستفادة منها فى تدعيم الموقف العربى تجاه قضاياه، والظهور العلنى للتخوف الإسرائيلى من التحول العراقى والإيرانى بقواهما الشاملة إلى ساحة الصراع العربى الإسرائيلى (35).
6 ـ الأوضاع الاقتصادية العالمية انعكس الصراع الدولى على تفاقم المشكلات الإقليمية المزمنة، وازدياد حدة المشكلات الاقتصادية فى منطقة الشرق الأوسط كما أدى إلى إغراق دول المنطقة بأحدث ما فى الترسانات العالمية من أسلحة متطورة، إضافة لإغراق تلك الدول فى الديون العسكرية التى لها آثار مدمرة على اقتصادياتها الوطنية، وفى مقدمة هذه الدول تأتى مصر وقد أدى هذا إلى محدودية استقلال القرار الوطنى للدول المدينة فى النظام العالمى نتيجة للإغراق فى الديون الخارجية والديون العسكرية بصفة خاصة، ومحدودية قدرة هذه الدول على خلق التوازن فى علاقاتها الخارجية نتيجة لارتباطها بالدول الدائنة، مع محدودية القدرة على السير فى طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية (36) ومن المنتظر أن يستمر تأثير هذه العوامل خلال فترة التسعينيات وفى الوقت الذى تحاول فيه مصر والدول العربية الخروج من موقفها الاقتصادى المتدهور، تحاول الدول العظمى والكبرى الإبقاء على هذا الموقف لتحقيق أهدافها واستراتيجيتها فى المنطقة، ولتبقى هذه الدول تابعة لها اقتصاديا كما تحاول هذه الدول التحكم فى نوعية الصناعات المحلية بالسماح بتصدير تكنولوجيا معينة تسمح بإقامة تلك الصناعات فقط، مع عدم وصولها للجودة المطلوبة حتى تصبح فرصة المنافسة أمام هذه المنتجات ضعيفة كما تقاوم تلك الدول أى نهضة زراعية حقيقية فى المنطقة ليبقى اعتماد دول المنطقة عليها فى مجال الغذاء، وبذا تضمن التحكم فى أقدارها وتوجهها إلى الوجهات السياسية والاستراتيجية التى تتناسب مع أهدافها الاستراتيجية فى المنطقة، وتسعى الجهات الخارجية أيضا لاستنزاف المواد الأولية من المنطقة مع احتكار استيرادها لتلك المواد، ثم إعادة تصديرها مرة أخرى بأثمان باهظة كما تسعى لإبقاء السوق العربية مستوردة للمنتجات الأجنبية مع فتح المجال للاستثمارات الأجنبية فيها وخاصة البنوك، وتصدير أكبر كم ممكن من السلاح لاستنزاف مواردها المالية وإغراقها فى حجم هائل من الديون بما يؤثر على خطط التنمية فى هذه الدول ومع انخفاض أسعار البترول، وفى ظل غياب نظام اقتصادى وطنى متكامل فسوف تظل التهديدات الاقتصادية مستمرة خلال فترة التسعينيات، وسوف تؤثر على الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية للأمن القومى، كما سوف تعوق صياغة استراتيجية مصرية، واستراتيجية عربية شاملة للوطن العربى ككل (37).
ثانيا: التحديات والتهديدات الداخلية للأمن القومى المصرى تمثل البيئة الداخلية الإطار، والمحددات، التى تشكل سياسة مصر الداخلية، وبالتالى سياستها الخارجية كما تشكل أيضا الإطار والمحددات، التى يتم من خلالها مواجهة تحديات عقد التسعينيات وتواجه مصر فى هذه البيئة العديد من التحديات التى قد تعوق العمل الوطنى المصرى ويعتبر تحدى التنمية أول التحديات التى تواجهها مصر، والذى قد يأخذ أبعادا عميقة نظرا لما له من آفاق اجتماعية وثقافية وعسكرية بالإضافة إلى تلك الاقتصادية ونظرا لأن الاقتصاد والسياسة لا ينفصلان، فإن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن التنمية السياسية، وكلاهما لا ينفصل عن التنمية الاجتماعية والثقافية، وأيضا العسكرية ويؤثر كل ذلك على الاستقرار السياسى الذى يعتبر ضرورة هامة لتأمين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتحول الديمقراطى الذى يعتبر التحدى الأخر الذى تواجهه مصر (38) ونظرا لصعوبة رصد وتفسير وتحليل وتقويم كافة التحديات والتهديدات للأمن القومى المصرى فى التسعينيات فى هذا المجال أيضا فسوف نلقى بعض الضوء على أهم تلك التحديات والتهديدات، فى إطار الإشارة إلى التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
1 ـ التحديات السياسية يقصد بالتحديات السياسية الداخلية لمصر الصور المختلفة للتهديد التى تتعرض لها الدولة المصرية عالميا وإقليميا ومحليا وتنعكس التهديدات السياسية ذات البعد العالمى فى انعكاسات الوفاق الجديد بين القوتين العظميين الذى قد يكون له آثار إيجابية ـ أو سلبية ـ على المشكلة الأولى فى المنطقة وهو الصراع العربى الإسرائيلى ـ أو المشكلة الفلسطينية، مما يشكل تهديدا حقيقيا لمصر حيث يسير التوازن الاستراتيجى لصالح إسرائيل عسكريا وقد يقود هذا الوضع غير المتوازن إسرائيل إلى تبنى سياسة عدوانية تجاه دول المنطقة تنعكس على ضرورة تقوية القوات المسلحة المصرية بما فى ذلك مردوداته السياسية والاقتصادية داخليا كما تنعكس التهديدات السياسية ذات البعد العالمى أيضا على محدودية الدور الريادى المصرى فى التجمعات الإقليمية والدولية حيث تمخض الوضع السياسى الدولى عن ارتباط مصر بفلك الغرب وسياسته الاقتصادية وبالتالى السياسية وقد ترتب على ذلك الأثر الثالث للتهديدات السياسية ذات البعد العالمى وهو محدودية حرية استقلال القرار الوطنى فى النظام العالمى، والذى يتضح من خلال مؤشرات هامة تأتى على رأسها الديون الخارجية وفوائدها، وكذا نسبة المستورد من الخارج من المواد الغذائية وهو ما يشير فى مجمله إلى مدى القيود الهائلة الملقاة على عاتق صانع القرار المصرى إزاء النظام العالمى، وخاصة الدول الغربية التى تشكل ضغوطا كبيرة على حرية القرار المصرى هذا بخلاف الديون العسكرية ومن ثم يتضح مدى فقدان مصر للحرية الكاملة لاستقلال قرارها الوطنى فى النظام العلمى، مما يعنى فقدانها للتأثير فى هيكل النظام العالمى وقراراته والأثر الرابع والأخير للتهديدات السياسية ذات البعد العالمى هو محدودية القدرة على خلق التوازن فى العلاقات المصرية مع القوتين العظميين نظرا للارتباط المصرى بالولايات المتحدة والدول الغربية، ومحدودية القدرة توثيق العلاقات الفعالة من الدول الكبرى الأخرى خارج دائرة القوتين العظميين (39) وتحاول مجهودات الرئيس المصرى فى هذا المجال موازنة تأثير هذه العوامل وتحييد تأثيرها على القرار المصرى، وقد أحرز فى ذلك نجاحا كبيرا وتنعكس التهديدات السياسية ذات البعد الإقليمى فى السياسة العسكرية الإسرائيلية العدوانية، والتى تجسدها الخلافات العربية/ العربية، واختلاف الأنظمة الحاكمة وأيديولوجيتها، واختلاف وجهات النظر فى أسلوب حل المشاكل العربية ومواجهة التحديات، إضافة إلى ضعف إلى فاعلية الجامعة العربية ومشاكل الاستقرار الداخلى للدول العربية وتسعى إسرائيل فى إطار هذه السياسة إلى تجزئة الدول العربية ـ بما فيها مصر، وتمكين الدولة اليهودية النقية من التكامل، وتحويل إسرائيل إلى قلعة صناعية ودولة خدمات وربط الاقتصاد العربى بالاقتصاد الرئيسى من منطلق السيطرة ومبدأ التبعية السياسية، وتحويل القدس إلى عاصمة سياسية عالمية مصرفية وصناعية وفى جميع هذه الأحوال نجد أن السياسة العدوانية الإسرائيلية تمثل التهديد الرئيسى للأمن القومى المصرى والعربى خلال فترة التسعينيات وتنعكس باقى التهديدات السياسية ذات البعد الإقليمى الأخرى فى التوتر فى منطقة الخليج، وعدم استقرار السودان، والحشود العسكرية المصرية والليبية على الحدود بين البلدين (40) وتنعكس التهديدات السياسية ذات البعد المحلى فى ضعف المؤسسات السياسية ـ عدا مؤسسة الرئاسة ـ مما يؤثر على الفاعلية الداخلية، وقدرة البيروقراطية المصرية على القيام بالوظائف المنوطة بها وتنفيذ السياسة الداخلية للدولة فبدون مؤسسات سياسية قوية، تتجسد فيها سلطات الدولة المختلفة (التنفيذية ـ التشريعية ـ القضائية) سوف يصعب على المجتمع خلال فترة التسعينيات أن يجسد مصالحه العامة، أو يدير شئونه على نحو مستقر وفعال كما تنعكس التهديدات السياسية ذات البعد المحلى أيضا على زعزعة الاستقرار السياسة وضعف المشاركة السياسية، فإن أحد عناصر قوة النظام السياسة فى مصر تتمثل فيما يتمتع به من درجة الاستقرار التى تفوق كثيرا من النظم فى العالم الثالث، ورغم ذلك يمكن القول أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى شهدتها مصر فى الحقبة الأخيرة ولدت عددا من الشروط التى يمكن أن تؤدى إلى زعزعة الاستقرار السياسة، كأحد عناصر قوة الدولة المصرية، ما لم يتم معالجة أسبابها فورا ومن أسباب هذه الظاهرة التطبيقات الخاطئة لسياسة الانفتاح الاقتصادى والتفاوت الشديد فى توزيع الدخل بين فئات وطبقات المجتمع، ومعدلات التضخم العالية، ونمو فئات طفيلية فى المجتمع وقد زاد من الأثر السلبى لتلك المشكلات محاولة الفئات التى ارتبطت بها وسببتها ممارسة النفوذ على أجهزة الدولة نفسها وقد أدى ذلك إلى ضعف ـ وسلبية ـ المشاركة السياسية الداخلية فى صياغات السياسات العامة، وإدارة الشئون العامة، واختيار القيادات السياسية فى جميع مستويات الحكم وتشمل الأشكال التقليدية لذلك التصويت فى الانتخابات والاستفتاءات، وحضور المؤتمرات والندوات السياسية العامة، والمشاركة والنشاطات السياسية المختلفة والأثر الأخير للتهديدات السياسية ذات البعد المحلى هو التهديد بإضعاف الوحدة الوطنية، التى تمثل شرطا لا غنى عنه لقوة المجتمع والدولة و مواجهة التحديات والتهديدات الخارجية ولا شك أن استمرار ظاهرة الخلافات السياسية الداخلية والتعصب الطائفى بمختلف طبقاته تلقى بظلال من الشك على قدرة الدولة على التماسك الداخلى الذى يؤدى إلى قصور تنفيذ خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويعرض الدولة لأخطار جسيمة داخليا وخارجيا (41) وينتظر أن تستمر التهديدات السياسية ذات البعد العالمى والإقليمى والمحلى فى التأثير سياسيا على مصر خلال فترة التسعينيات ـ على الأقل خلال نصفها الأول، مما يتطلب مراجعة شاملة ودقيقة لأسباب هذه التهديدات والعمل على الخروج باستراتيجيات وسياسات جديدة تؤمن مصر من الداخل، وتشكل لها أرضية صلبة لسياستها الخارجية.
2 ـ التحديات الاقتصادية مر الاقتصاد المصرى منذ بداية ثورة 23 يوليو بتغييرات هيكلية طرأت على مجمل الأوضاع بالبلاد خلال 37 عاما من مسيرة العمل الاقتصادى، الذى مر بمراحل مختلفة ومتنوعة يمكن أجمالها عموما و عملية التنمية المخططة خلال الفترة الناصرية، وبدء تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى خلال فترة حكم الرئيس السادات وتنطلق محاولة تصويب أهم الاختلالات التى تواجه المجتمع المصرى عموما والاقتصاد على وجه الخصوص من حقيقة هامة، وجوهرية وهى أن النجاح النسبى لأى تجربة اقتصادية يتوقف على مدى نجاحها أو فشلها فى تنمية القدرات الذاتية للمجتمع المصرى فى إطار فلسفة اقتصادية تتوجه أساسا إلى إشباع الحاجات الاجتماعية ـ وليس فقط الأساسية ـ للسواد الأعظم من الشعب من هنا يمكن القول أن أهم الاختلالات الأساسية الحالية ـ وطوال فترة التسعينيات ـ فى الاقتصاد المصرى هى اتساع وتزايد الفجوة الغذائية واستمرار التبعية الغذائية للعالم الخارجى، وانفجار مشكلة المديونية الخارجية، والبطالة واختلال سوق العمل المصرى والاختلال بين الأجور والأسعار وهى عناصر تهديدات الأمن القومى الداخلى من الناحية الاقتصادية (42) وفيما يختص بالاختلال الناجم عن الفجوة الغذائية فقد شهدت مصر تدهورا ملحوظا فى الزراعة المصرية تمثل فى تواضع معدلات نمو الإنتاج الزراعى، وانخفاض الإنتاجية الزراعية فى الوقت الذى زاد فيه الطلب على الغذاء بصورة كبيرة، مما أدى إلى أتساع الفجوة الغذائية وتناقص نسبة الاكتفاء الذاتى وتزايد الاعتماد على الخارج لاستيرادها وللمشكلة الغذائية فى مصر جانبان أولهما مشكلة عجز الإنتاج المحلى عن النمو بمعدلات نمو الطلب على الغذاء، وثانيهما مشكلة انخفاض نوعية الغذاء الذى يحصل عليه الفرد فضلا عن مشكلة سوء توزيع الغذاء بين مختلف الطبقات الاجتماعية ولذلك آثار بعيدة المدى حيث تنعكس على انخفاض المستوى الصحى وانتشار الأمراض، وهو ما يؤثر فى النهاية على إنتاجية العمل فى مختلف قطاعات الدولة كما تؤدى الفجوة الغذائية فى النهاية إلى تزايد مستمر فى عجز ميزان المدفوعات، وخاصة فى ضوء الارتفاع المستمر فى أسعار الواردات الغذائية كما يؤدى الارتفاع المستمر فى نسبة الواردات الغذائية إلى إجمالى الواردات إلى توايد العجز فى الميزان التجارى ويؤدى الاعتماد المتزايد فى استيراد الغذاء على الخارج إلى تعميق التبعية الغذائية، مع إتاحة الفرصة للبلدان المصدرة لإملاء شروطها وفقا لما يتلاءم مع أهدافها ومصالحها الأساسية وترجع أسباب الفجوة الغذائية إلى: خلل التركيب المحصولى نتيجة للسياسات الزراعية المتضاربة، وجمود التوسع الأفقى فى الزراعة، والهجرة من الريف المصرى، وارتفاع معدلات النمو السكانى، والتغييرات التى طرأت على مستوى الطلب على الغذاء (43) وفيما يختص بمشكلة المديونية الخارجية، فيؤثر عليها استمرار تزايد نسبتها، وسوء توزيع الديون على الدول والمؤسسات الدائنة حيث يختلف عبء الديون من مصدر لآخر تبعا لشروط الاقتراض وسعر الفائدة وفترات السماح، ناهيك عن الشروط الخاصة والمصاحبة لكل قرض من هذه القروض ـ حتى من المصدر الواحد ـ تبعا لنوع السلع أو المجالات الموجهة إليها هذه القروض وقد أدى كل ذلك إلى تزايد ثقل وعبء الديون الخارجية على اقتصاد مصر، حيث تتمثل هذه الديون فى أقساط أصل الدين بالإضافة إلى العوائد المستحقة عليها خاصة مع اعتماد أعباء خدمة الديون على المتحصلات التجارية من العملات الأجنبية، مما أدى إلى استنزاف الاحتياطات النقدية الدولية وقد لا تكفى الديون لتمويل الواردات الضرورية التى يحتاج إليها الاقتصاد المصرى، الأمر الذى يدفع لمزيد من الاقتراض كما زادت الديون العسكرية من تعقيدات هذه المشكلة، وأثرت بصورة كبيرة على برامج الاستثمار المختلفة، وبالتالى أصبح من الضرورى العمل على إيجاد الحل المناسب والملائم لهذه المشكلة (44) ولمشكلة الديون الخارجية أسباب كثيرة، كما أن لها حلولا متعددة، أترك الخوض فيها لعلماء الاقتصاد وفيما يختص بمشكلة البطالة والإختلالات فى سوق العمل، فقد أشار التعداد العام لسكان مصر الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى 14.7% من مجموع القوى العاملة المصرية الذى يبلغ 14 مليون، ولاشك أن النسبة الحقيقية أعلى من ذلك بكثير ولا تعكس هذه النسبة حقيقة الوضع حيث إنها تصور البطالة الظاهرة فقط، ولا تتضمن البطالة المقنعة الناشئة عن تشغيل جانب من القوى العاملة بأقل من طاقتها الإنتاجية نتيجة توظيف أعداد كبيرة تزيد عما يحتاجه العمل ومن ثم تنخفض إنتاجيته ومن العوامل الهامة التى أدت إلى المزيد من الاختلال فى سوق العمل المصرى حركة الهجرة إلى الخارج التى شملت كافة فئات السلم المهنى والوظيفى فى المجتمع، خاصة وإنها تمت بطريقة عفوية وتلقائية ولم تخضع لأية سياسات مخططة من قبل الدولة، مما أدى إلى اختلال سوق العمل الداخلى نتيجة لاستنزاف العمالة الماهرة ذات الكفاءة، مما انعكس على الإنتاج ومستويات الأجور، وأدى إلى تدهور بعض القطاعات فى مستوى خدماتها، وازدياد الاعتماد المصرى على العمالة الأجنبية فى بعض القطاعات، وهى كلها اعتبارات تشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومى والعامل الأخير فى هذا المجال هو السياسة التعليمية والتدريبية السائدة التى يتضح منها الاختلال فى تأهيل الأفراد للقطاعات المطلوبة، وعدم القدرة على الوفاء باحتياجات أسواق العمل (كميا وكيفيا) على الرغم من وجود فائض ملحوظ فى العمالة فى بعض القطاعات هذه هى بعض العوامل المؤثرة فى سوق العمل المصرى، والتى سوف تسود خلال فترة التسعينيات، وتتطلب بالضرورة دراسة متأنية ودقيقة بغية وضع الحلول اللازمة لها وإن كانت هذه المؤشرات ذات تأثير سلبى على الاقتصاد المصرى عموما وسوق العمل بصفة خاصة، إلا إنها كفيلة بتوجيه الأنظار تجاه اخطر قضايا المجتمع فى الآونة الحالية والمستقبلية ولن يتأتى إصلاح هذه الاختلالات إلا عبر استراتيجية لتنمية القوى البشرية بغية تعظيم الاستفادة من الطاقات البشرية، وذلك فى إطار نظرة شاملة لعملية التنمية تضمن المشاركة الفعلية للأفراد، وإصلاح نسق التعليم والتدريب للوفاء بحاجات تطوير القدرة التكنولوجية الذاتية والقدرة الإنتاجية المحلية (45) وفيما يختص بمشكلة الاختلال بين الأجور والأسعار، فتعد قضية ارتفاع الأسعار والتضخم واحدة من أهم القضايا المثارة على الساحة المصرية منذ منتصف السبعينيات، وينتظر أن تلقى بظلالها على فترة التسعينيات، وذلك بعد موجة الغلاء التى شهدتها البلاد خلال هده الفترة والتى أضرت ضررا بالغا بأحوال مكتسبى المرتبات والأجور وذوى الدخول المحدودة، خاصة مع التدهور الشديد فى القوة الشرائية للدخل النقدى للفرد من هنا أصبحت مشكلة الغلاء ليست اقتصادية فحسب، بل مشكلة اجتماعية وسياسية أيضا، تنذر بالخطر على التماسك الاجتماعى داخل نسيج المجتمع بالأساس، خاصة مع عدم مواكبة ارتفاع المرتبات والأجور لمسبة الغلاء والتضخم، وبذا لم تؤد الزيادة الضئيلة فى الأجور إلى تحسين الأوضاع المعيشية للأفراد، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى انخفاض الأجر الحقيقى بصورة كبيرة ويمكننا إرجاع السبب فى ذلك إلى مجمل السياسة الاقتصادية التى أدت إلى ازدياد حجم الواردات زيادة كبيرة، مع تدهور الصادرات وبالتالى زيادة عجز ميزان المدفوعات، الآمر الذى أثر على القيمة الخارجية للعملة المصرية، وما يعنيه ذلك من ارتفاع أسعار الواردات وبالتالى ازدياد تكلفة الاستيراد الخارجى فإذا ما أضفنا إلى ذلك انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتى من الغذاء (التى أشرنا إليها أنفا) يتضح على الفور مدى تأثير هذا العنصر على ارتفاع قيمة الواردات الغذائية، ومن ثم ارتفاع الأسعار بالداخل ومن جهة أخرى لعب الخلل فى الهيكل الإنتاجى دورا بارزا فى هذا الصدد حيث أدى إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلى، وبالتالى ظهور ما سمى بتضخم التكاليف ثم كان الدور الذى لعبته كمية الأموال السائلة التى أدخلت إلى البلاد عبر تحويلات العاملين بالخارج، والتى زادت من كمية النقد المتداولة بالداخل، ومن ثم ارتفاع الأسعار وبالإضافة إلى هذا وذاك نجد العجز فى الموازنة العامة للدولة، حيث تشير الإحصاءات إلى الارتفاع المستمر فى قيمة العجز الصافى بالموازنة (وهو العجز الذى يتم تمويله من الجهاز المصرفى بإصدار سندات على الخزانة العامة، وبالتالى المزيد من الضغوط التضخمية بالمجتمع)، وزيادة الطلب الكلى على النقود المصحوب بزيادة فى كمية وسائل الدفع، وتكون المحصلة النهائية زيادة مستويات الأسعار وانخفاض القوة الشرائية للجنيه المصرى وما يهمنا الإشارة إليه ـ نظرا لتأثيره الكبير على فترة التسعينيات ـ هو أن هذا الوضع أدى إلى ازدياد توزيع الدخل فى مصر سوءا فمع تدهور الأجور الحقيقية للعاملين بأجر تنخفض مستويات معيشتهم، رغم سياسة الدعم المتبعة حاليا وبذا ينبغى دراسة الخريطة الاجتماعية الجديدة فى مصر وما طرأ عليها من تغييرات نتيجة لمجمل الحراك الاجتماعى الذى حدث فى السبعينيات، وسيستمر خلال فترة التسعينيات، بغية وضع سياسة إصلاح جذرية فى هيكل الأجور والأسعار تأخذ بعين الاعتبار هذه المتغيرات جميعا (46).
3 ـ التحديات الاجتماعية: ترجع معظم المشكلات السياسية والاجتماعية فى مصر أساسا للاختراق الاستعمارى والأيديولوجى المتتالى لمصر والمنطقة العربية والحركات الوطنية والقومية التى استهدفت تحرير البلاد من الاستعمار، وظهور البترول الذى ترك بصمك واضحة على الأنماط الاجتماعية، والمشكلات الاقتصادية الحادة داخل المجتمع المصرى، وظهور العديد من التناقضات الاجتماعية (47) وتحاول القوى العالمية تكريس الأوضاع الاجتماعية المتخلفة والتى من شأنها أن تجعل من التحديات الاجتماعية الناجمة عن التخلف صمام أمن لضمان إحكام السيطرة، والإبقاء على حالة التبعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، بكل ما تعنيه تلك التبعية من تشويه لبناء المجتمع المصرى الاقتصادى الاجتماعى والسياسى وتلعب تلك القوى الخارجية والإقليمية دورا فعالا فى الإجهاض المستمر والدائم لاحتمالات تحويل القوة المجتمعة الكامنة إلى قوة فعلية متحققة، مع محاولة تقليص هذه القوة الفعلية المتحققة من هنا يمكن القول أن التهديدات الرئيسية الحالية ـ وطوال فترة التسعينيات ـ فى المجتمع المصرى هى تلك التهديدات الناجمة عن: زيادة السكان، وتفكك الخصائص العقلية والمعنوية للمصريين، وقوة العمل الفائض من القوى العاملة، وتدهور العملية التعليمية، وتأثيرات مجالات الثقافة ووسائل الاسم، وتهديد التجانس الاثنى والعرقى والثقافى وهى عناصر تهديدات الأمن القومى الداخلى من الناحية الاجتماعية (48) وعلى الرغم من أن مشكلة التزايد السكانى تمثل تحديا حقيقيا أمام المجتمع المصرى الآن وخلال فترة التسعينيات، إلا إنها تشكل فى الوقت نفسه ـ إذا أحسن استغلالها وتوجيهها ـ أحد مصادر القلق للقوى العالمية، لأن مصر بتلك الزيادة تشكل الرصيد البشرى الاستراتيجى الأكثر خطورة فى المنطقة وعلى الجانب الآخر فلهذه الزيادة أثارا سلبية، حيث تمثل مصر نموذجا صارخا فى اختزل أو سوء توزيع السكان على أراضيها فإذا استمر الحال على ما هو عليه، من حيث تشوه التكوين الاقتصادى الاجتماعى بكل ما يتضمن من تخلف تكنولوجى وعدم التطوير الشامل للقاعدة الإنتاجية وإهدار واستنزاف الثروة القومية وعدم الاستغلال الأمثل لمساحات مصر ومصادرها الطبيعية والبشرية، فسوف يؤدى كل ذلك إلى مشاكل جسيمة تهدد الأمن القومى كما يؤثر على الأمن القومى الاجتماعى أيضا الهجرة الداخلية وانعكاساتها الاجتماعية، ومشكلة الإسكان، والهجرة إلى بلاد البترول، والهجرة إلى الدول الغربية المتقدمة ـ استنزاف العقول (49) ويتعرض المجتمع المصرى لحملات ضارية هدفها الأساس فرض التخلف واستمراره، وتخريب الشخصية المصرية، وتزييف وعى المصرى وإعاقة وتشويه إمكاناته العقلية والوجدانية والروحية، وتحطيم قدراته ومقومات صموده ومقاومته وتحديه للقهر والاستغلال وتعمل هذه القوى على تفكيك بنية المجتمع المصرى الاقتصادية والاجتماعية لضمان بقاء حالة التخلف والتبعية، كما تدرك أهمية انعكاس نمو الاقتصاد المشوه على سائر أبنية المجتمع الأخرى، ومنها بناء الشخصية، لذا تعمد إلى تخريب الاقتصاد المصرى وقد نجم عن ذلك ظواهر اجتماعية تهدد كيان النسيج الاجتماعى للمجتمع، من أهمها: السلبية فى المشاركة السياسية، والاغتراب عن المجتمع الجماعات المتطرفة، والشعور بالنقص إزاء الغرب وتعويض ذلك عن طريق تضخيم وتفخيم الذات، وانبهار الطبقات الجديدة بنمط الحياة الغربى ومحاولة محاكاته، وشيوع قيم الانتهازية والوصولية، وإعلاء المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية القومية، والقسوة والعنف مع الآخرين وعدم الاهتمام بالفنون والعلوم والثقافة، واضطراب منهجية التفكير، وقصور عمليات التحليل والاستدلال المنطقى، والميل إلى اطرق الأحكام القطعية، وإدانة الفكر الآخر، وقصور الفكر النقدى، وسيطرة الأفكار الخرافية، وشيوع الكذب والتضليل (50) ويلاحظ أن ظاهرة عدم امتصاص سوق العمل فى المجتمع المصرى لقوة العمل الفائض تمتد لتشمل كل قطاعات المجتمع، وتمتد من الحضر إلى الريف وعلى الرغم من حاجة المجتمع إلى الأيدى العاملة الماهرة والمدربة والتخصصات النادرة بدلا من التى هاجرت إلى الخارج، فلم تحدث أى محاولات جدية لتلافى ذلك الأثر ولا يمكن إغفال التكلفة الاجتماعية لهذه الحالة المؤثرة على الأجيال القادمة وقدراتها العلمية والفنية ومهاراتها، وهو ما ينعكس بالضرورة على إمكانيات التقدم والتنمية، ومواجهة تحديات التقدم العلمى والتكنولوجى، وزيادة العمالة الأجنبية فى المجتمع المصرى وفضلا عن ذلك فإن البطالة تعنى وجود طاقات إنتاجية معطلة وأبرز النتائج الاجتماعية للبطالة هى: إهدار قيمة العمل المنتج، وإهدار قيمة التعليم والتحصيل العلمى، وظهور الاقتصاد السرى والمهن الهامشية والطفيلية وغير المشروعة، وتأخير سن الزواج وانخفاض معدلاته، والتفكك الأسرى وارتفاع معدلات الطلاق وانتشار الفساد والانحلال الخلقى، وشيوع حالة من السخط العام، وتفكك الولاء والانتماء للوطن، وشيوع الاضطراب النفسى والعقلى وحالات الاكتئاب، والانتماء للجماعات الإرهابية (51) لقد حدث حراك ضخم نجم عن العقلية، إلا أن التعليم بأعداده الكبيرة قد أفرز ثلاثة تحديات اجتماعية أمام المجتمع المصرى: أولها، الأعداد الضخمة من طلاب الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية، الذين يشكلون عنصرا هاما فى الحياة الاجتماعية للمجتمع المصرى وفى الحركة السياسية، حيث تتوفر فى هؤلاء الطلبة درجة من التعليم لا تتوفر للأغلبية الساحقة لمواطنيهم، ويتمركزون فى أماكن محددة بأعداد كبيرة مما يسهل حركتهم وثانيها، تحدى جماعات المثقفين والمهنيين الذين اتسعت قاعدتهم نتيجة لإتاحة التعليم لكافة قطاعات الشعب وثالثها، النسبة العالية من الأمية، التى ترجع خطورتها إلى كونها أحد تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما قد تستغل الحركة التلقائية لتلك الجموع غير الواعية بعناصر خارجية (52) إن أكثر ما يهدد المجتمع المصرى هو الثقافة الدخيلة، حيث تطرح على جمهور يتسم أغلبه بمحدودية الثقافة وتنمى داخله توجهات سلوكية خطيرة وخطورة ذلك أنه يخلق نمطا من الثقافة السرية تعمل على تشكيل نسبة الوعى لدى قطاعات كبيرة من المجتمع بشكل يهدد الوحدة الوطنية وكيان الأسرة، كما قد يبلور هوية خاصة بإحدى الأقليات فى المجتمع كما يؤدى البث الإعلامى الخارجى ـ بكافة وسائل الإعلام ـ إلى اقتحام المجتمع بكافة قطاعاته وبكافة تأثيراته السلبية، مما يؤدى إلى تأثير سلبى على هوية مصر الثقافية والاجتماعية، وتغيير الاتجاهات والمعتقدات والقيم الموجودة بالفعل وتعديلها فى الاتجاه المرغوب، والتأثير على توجيه الرأى العام ويمكن اختزال تلك التصورات حول التهديد الاجتماعى فى مجال الثقافة والاسم بالغزو الثقافى الأجنبى للمجتمع المصرى وتنصب خطورة ذلك الغزو على شخصية المواطن المصرى وتشويه نموها (53) وعلى الرغم من تميز المجتمع المصرى بأعلى درجة من التجانس الأثننى والعرقى والثقافى، إلا أن القوى العالمية والإقليمية تسعى للنيل من هذا التجانس ومن الناحية الاجتماعية تسعى هذه القوى إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، وإذكاء النعرات الدينية والمذهبية والإقليمية بحيث يتحول الصراع إلى صراع بين أفراد المجتمع بدلا من أن يكون صراع ضد عدو مشترك من أجل مصلحة قومية عليا وكان للنظام الاجتماعى الجديد فى مصر الذى بدأ مع الانفتاح الاقتصادى أثره الكبير فى ظهور الخلل الاقتصادى والاجتماعى وطفت إلى سطح المجتمع طبقة طفيلية أثرت ثراءا فاحشا، تضافر معها الانتهازيون مما نشر نماذج سلوكية لا أخلاقية شكلت مصادر استفزاز للجماهير، وترتب عليه ارتفاع متنامى فى معدلات التضخم وغلاء الأسعار وهبوط الدخول الحقيقية وإزاء ذلك التفسخ فى بنية الهيكل الاجتماعى تأثرت شخصية المصرى بالواقع المحيط بها، وحدثت أنماط مختلفة من التكيف كانت فى معظمها ضارة بالمجتمع وظهرت أعمال جديدة مثل تجارة العملة والمخدرات، وجرائم جديدة مثل الرشوة والتهريب، وانتشرت جرائم السرقات والاغتصاب والاعتداء على أراضى الدولة أن اللجوء إلى هذه الأساليب لمواجهة المشكلات الشخصية والمجتمعية هو وسيلة دفاعية لحماية الذات ويصبح العنف والإرهاب هو وسيلة لتحقيق المجتمع المثالى المنشود وقد أصاب هذا العنف والإرهاب البناء الاجتماعى بالخلل فانعكس على عقول وسيكولوجية الأفراد بصور مختلفة، فكان التطرف والعنف أحد صوره العميقة والحادة (54).
4 ـ التحديات العسكرية: التحدى العسكرى الرئيسى ـ وإن لم يكن الوحيد ـ لمصر هو السياسة العدوانية لإسرائيل، وذلك رغم اتفاقية السلام المصرية/ الإسرائيلية وهذه السياسة ليست وليدة الساعة، حيث يقوم المعتقد السياسى والأيديولوجى لكتلة ـ الليكود ـ على مفهومى القوة والتوسع كما رسمها جابوتنسكى فى الربع الأول من هذا القرن كما يقوم هذا المعتقد على مجموعة من المبادئ العامة التى تؤكد الحق الإسرائيلى فى الأراضى العربية المحتلة ـ وخاصة الضفة الغربية وقطاع غزة ـ بناء على اعتبارات دينية وتاريخية كما تتبنى أحزاب اليمين الدينى بعض المفاهيم الدينية مثل العودة إلى أرض الأجداد، والحق التاريخى، وتكامل الأرض وتقوم الأحزاب العمالية التى تشكل كتلة ـ المعراخ ـ على أساس فرض الأمر الواقع والحقائق الثابتة ويقوم المعتقد السياسى والأيديولوجى لها على أساس مشروع ايجال ألون الذى يبنى على أساس الفرضية القائلة بأن أى هزيمة عسكرية لإسرائيل تعنى نهاية إسرائيل، وأن خسارة حرب واحدة تعنى نهاية كل شىء، ومن هنا يقوم المشروع على ضرورة التوصل إلى حدود آمنة معترف بها ويمكن الدفاع عنها كما أشار أيريل شارون خلال تصوره للاستراتيجية الإسرائيلية إلى ضرورة قيام الجيش الإسرائيلى باحتلال الأردن والكويت بغرض توسيع رقعة الأرض والسيطرة على منابع البترول العربية كما دعت أصوات إسرائيلية أخرى ـ على فترات متباينة ـ إلى ضرورة العودة لاحتلال سيناء حيث أنها تمثل ركيزة استراتيجية واقتصادية لإسرائيل، فضلا عن كونها مصدرا للطاقة على المدى الطويل ويرتبط التوسع بالصورة المشار إليها برغبة إسرائيل فى توفير المياه التى تحتاجها، وذلك بالسيطرة على مصادر المياه التى تحيط بها سواء نهر الأردن أو الليطانى، وبذا أدخلت إسرائيل هذه الأنهار فى شكل التسوية الإقليمية النهائية بين العرب وإسرائيل (55) وبذا تبنى الأبعاد الحقيقية للأهداف القومية الإسرائيلية أساسا على العقيدة الدينية فنجد أن السياسة الإسرائيلية العامة تنبثق من ـ الغاية الصهيونية القومية ـ القائمة على خلق ـ دولة يهودية كبرى ـ فى منطقة الشرق الأوسط مبتدئة ب ـ إعادة إنشاء الوطن القومى اليهودى فى فلسطين ـ ضمن إطار المفهوم التاريخى الصهيونى لأرض إسرائيل وقد تطلب طموح الغاية الصهيونية، واتساع أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أن يعتمد المخطط الصهيونى لتحقيق هذه الغاية على التدرج المرحلى ـ فى إطار العقيدة الدينية ـ للانتقال المتتالى من هدف إلى آخر حتى تتحقق الغاية القومية كاملة (56) وعموما، تعتبر مصر بأوضاعها الجيوبوليتيكية من أكثر دول الشرق الأوسط تعرضا للتهديدات العسكرية فهناك مباشرة على حدودها الشرقية، وعلى الاتجاه الاستراتيجى الشمالى الشرقى، القوة العسكرية الإسرائيلية، وهى أكبر قوة عسكرية تقليدية فى المنطقة تدعمها أيضا قوة نووية متفردة كما يوجد على الاتجاه الاستراتيجى الشرقى إيران بمطامعها الإقليمية، وهو وإن كان تهديد مؤقت وغير مباشر، إلا أنه يمثل تهديدا استراتيجيا مباشرا لمصر القومية (57) وهناك على حدود مصر الغربية، وعلى الاتجاه الاستراتيجى الغربى، التوتر المصرى الليبى ـ الذى يمثل تهديدا مؤقتا ومباشرا ـ والذى تطلب حشد قوات مسلحة مصرية على هذا الاتجاه، كان من الممكن توفيرها لمواجهة تهديدات جوهرية أخرى وتتزايد قوة التهديدات على هذا الاتجاه باستمرار توفر احتياطى ومخزون استراتيجى من أسلحة ومعدات القتال الرئيسية، التى يدعمها وجود سوفيتى لا يشكل تهديدا عسكريا مباشرا قدر ما كان محاولة من جانب ليبيا لتأثير على الأمن القومى المصرى، ونظام الحكم وأهم نتائج التهديد على هذا الاتجاه هى سحب قدر من القوات المسلحة المصرية تتواجد قريبة من مسرح العمليات، فى إطار التوزيع الاستراتيجى للقوات المسلحة، يؤثر بالتالى على حجم التجميع الاستراتيجى الرئيسى للقوات المسلحة المصرية فى الاتجاهات الاستراتيجية الأخرى (58) وتتناقص حاليا التهديدات العسكرية على الاتجاه الغربى نتيجة للمجهودات السياسية لرئيس الجمهورية، وللتقارب الحالى بين مصر وليبيا، ومن المحتمل أن تزول الأخطار الرئيسية على هذا الاتجاه بنهاية فترة التسعينيات ويتميز الاتجاه الاستراتيجى الجنوبى بعدم وجود تهديد عسكرى مباشر عليه إلا أن المناخ السياسى الذى يسود هذا الاتجاه تسوده بعض التهديدات غير المباشرة، والتى من أهمها: عدم استقرار الوضع السياسى والاقتصادى فى السودان، والحرب الأهلية به والمشاكل الحدودية بين مصر والسودان فى منطقتى علبه وحلايب، إضافة للصراعات الإقليمية بين بعض دول حوض النيل، والتهديدات الموجهة إلى حصة مصر من مياه النيل ومشروعات المياه والطاقة على مجرى النهر وعموما، فالتهديد العسكرى على الاتجاه الاستراتيجى الشمالى الشرقى فى مرحلة سكون حاليا نتيجة لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وإن لم ينته تماما نظرا لاستمرار اعتناق إسرائيل لنظريتها التوسعية ومبدأ احتلال الأراضى بالقوة والذى انعكس على السياسة العدوانية لإسرائيل تجاه دول المنطقة ونظرية أمنها غير المحدود جغرافيا، مع عدم رغبتها فى استمرار مساعى السلام طبقا للقانون الدولى والحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى وكما سبق القول فإن مرحلة السلم الحالية هى إحدى مراحل الصراع العربى الإسرائيلى، إضافة لما تمثله من تحديات حضارية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسيكولوجية وسياسية وعسكرية كما أدى إيقاف الحرب العراقية الإيرانية نتيجة لقبول البلدين لقرار مجلس الأمن رقم 598 لسنة 1987 إلى الحد المؤقت لنشاط إيران، رغم استمرار تطلعها لنقل أيديولوجيتها لدول الخليج، والاشتراك الفعلى لها ـ بواسطة عملاء ـ على الساحة اللبنانية كما يتجه التهديد على الاتجاه الاستراتيجى الغربى إلى الزوال، ومن المتوقع انتهائه تماما خلال التسعينات أما التهديدات غير المباشرة على الاتجاه الاستراتيجى الجنوبى، فيمكن الوصول فيها إلى حلول سياسية بالمفاوضات والمساعى الدبلوماسية المصرية، والالتزام بالحق والقانون وبذا تلقى التهديدات العسكرية للثمانينيات بظلالها على عقد التسعينيات وعلى المخطط السياسى والعسكرى والاستراتيجى ـ إضافة للمخطط الاقتصادى ـ أن يستعد لمواجهة أى تهديدات متبقية، على أى من الاتجاهات الاستراتيجية لمصر، باستراتيجية موحدة، وسياسات دفاعية منسقة، وذلك للحفاظ على الأمن القومى المصرى وازدهاره خاتمة: لاشك فى أن هذا الكم الهائل من التحديات والتهديدات الموجهة لمصر ـ بمفردها أو فى إطار العالم العربى ـ يثير القلق إلا أنه يمكن مواجهة هذه التحديات بالوحدة الوطنية التى يكون أساسها الإحساس بوحدة الهدف والمصير، والاتفاق على نظرية أمنية مصرية موحدة تواجه التحديات والتهديدات الدولية والإقليمية والمحلية تعتبر بمثابة محددات للاستراتيجية الشاملة لتحقيق الأهداف والغايات القومية، وحماية الحدود السياسية الدولية، والثروات الطبيعية والاقتصادية ضد التهديدات الخارجية والداخلية ونقطة البدء فى هذا المجال هو صياغة سياسة داخلية متينة، وسياسة خارجية ناجحة، مع ضرورة إزالة الفاصل بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية أو تقليله إلى أدنى حد حيث يعتبر الانفصال بين السياستين الداخلية والخارجية من أوائل التحديات والتهديدات للأمن القومى المصرى ولما كانت مصر تسعى لتحقيق أمنها القومى لمواجهة هذه التحديات والتهديدات، وتحقيق التنمية الشاملة بكافة جوانبها، لذا يجب أن يشتمل مفاهيم الأمن القومى المصرى على: الاتفاق على مصادر التحديات والتهديدات، والتضامن والمشاركة الوطنية والقومية وتعظيم الناتج فى المجال السياسى والاقتصادى والاجتماعى والعسكرى الذى يؤدى إلى التكامل فى الاستراتيجيات والسياسات، بما يشكل قوة ردع لمن يحاول المساس بالأمن القومى المصرى ويمكن بناء الاستراتيجية المصرية الشاملة على أساس تحديد مفهوم موحد للأمن القومى، يمكن أن يكون صياغة الغاية القومية التى تتفق على مبادئ ومصالح وأهداف مصر، لحماية كيانها وحقها وحق شعبها فى البقاء والعيش فى إطار من الأمن، مستخدمة فى ذلك كافة إمكاناتها وقدراتها المتاحة ـ إضافة للإمكانات العربية والدولية وإمكانات التجمع الإقليمى الجديد ـ بكفاءة لتنفيذ الاستراتيجية المخططة، وفقا لتخطيط متوسط وطويل المدى لتحقيق الأهداف القومية، وتأمين مصادر قوة مصر فى كافة الميادين فى إطار من النظام والاستقرار الداخلى، فى مواجهة التحديات والتهديدات المحتملة داخليا وخارجيا ويتوقف الأسلوب الناجح لمواجهة التحديات والتهديدات الموجهة للأمن القومى المصرى فى التسعينات على ثلاثة عناصر محددة، هى: الإعداد الشامل للدولة، والتعاون الإقليمى والدولى البناء، وبناء القوة العسكرية القادرة على تحقيق الأهداف السياسية والسياسية العسكرية، والأهداف والمهام الاستراتيجية للقوات المسلحة وفى إطار بناء القوة العسكرية، تبدو أهمية صياغة سياسة دفاعية تفى بجميع متطلبات الأمن القومى وفى هذا الإطار نطرح الأسئلة التالية، دون محاولة الإجابة عليها، والتى يتوقف على أجابتها صياغة سياسة الدفاع المصرية:
1 ـ هل تبنى قدرات القوات المسلحة المصرية على أساس الحد الأدنى المطلوب لمواجهة التحديات والتهديدات الموجهة للأمن القومى، أم على أساس استخدام الموارد المتيسرة وبعد تلبية احتياجات خطط التنمية المختلفة؟ فإذا أوفت الموارد المتيسرة المتبقية احتياجات القوة العسكرية فلن يشكل ذلك أى صعوبات، ولكن السؤال الهام فى هذا المجال هو: ما هو الحل إذا كانت هذه الموارد المتبقية لا تكفى الحد الأدنى المطلوب لتحقيق الأمن القومى ومواجهة التحديات والتهديدات الموجهة له؟ وهل تستمر مصر فى عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهى منكشفة أمنيا؟ وماذا يكون الحال لو تعرضت مصر خلال ذلك لعدوان عسكرى خارجى مسلح؟
2 ـ هل تبنى قدرات القوات المسلحة المصرية على أساس إيجاد التوازن الاستراتيجى والعسكرى بين هذه القدرات وأخطر التهديدات العسكرية الخارجية المسلحة لضمان تحقيق الأهداف والمهام الاستراتيجية للقوات المسلحة وضمان الحصول على المبادأة واستمرار الاحتفاظ بها، أم على أساس القدرات والإمكانات العسكرية العربية مجمعة (أو على الأقل قدرات دول مواجهة أخطر التهديدات)؟ وماذا سوف يصبح عليه موقف القوات المسلحة المصرية إذا لم تتوفر القدرات العسكرية العربية المجمعة فى الوقت والمكان الضروريين؟
3 ـ هل تبنى الاستراتيجية العسكرية للقوات المسلحة المصرية على أساس التعاون مع دول عظمى وإقليمية لتأمين مناطق وأهداف ذات أهمية استراتيجية مشتركة، أم يجب الاعتماد على القوة العسكرية الذاتية فقط؟ وما هى خطورة هذا الاتجاه على العلاقات المصرية/ العربية؟ والعلاقات المصرية بدول عدم الانحياز والقدرة على حل المشكلة الرئيسية لمصر والعرب، وهى المسألة الفلسطينية؟
4 ـ هل يتطلب وجود هذه التحديات والتهديدات بناء سياسة خارجية وسياسة دفاع جديدتين تتصفان بصفات معينة تلائم هذه التحديات والتهديدات؟ أم يكتفى بتعديل هاتين السياستين بما يتلاءم والتحديات الجديدة ـ القديمة؟
5 ـ ما هى العناصر الرئيسية ـ فى إطار هذه التصورات ـ لسياسة الدفاع والاستراتيجية العسكرية الجديدتين؟ وما هو المطلوب اتخاذه لتوفير ضمانات مواجهة هذه التحديات والتهديدات فى المستقبل؟ أن الإجابة على هذه الأسئلة هام للغاية، حيث يترتب عليها أسلوب إعداد الدولة للدفاع وصياغة سياسة الدفاع كما يستلزم اتخاذ قرارات آنية تؤثر على مسيرة الأحداث فى المستقبل بشكل موائم للسياسة الخارجية المصرية، والسياسة الدفاعية كما أن السياسة الدفاعية تعنى أعمال عسكرية ناجحة، ولا يفيد أن تتم أعمال عسكرية ناجحة طبقا لسياسات خاطئة حيث يكون ذلك من ضروب الحظ، ولا يجب أن تخضع سياسة الدفاع لعوامل غير مسيطر عليها كما يمكن أن تكون هناك سياسة دفاعية نظرية كاملة، ولكن الاستعداد الاستراتيجى لا يواكب هذه السياسة الناجحة كالقصور فى الإنفاق العسكرى أو لأى أسباب أخرى من هنا فالعلاقة وثيقة بين سياسة الدفاع والاستراتيجية العسكرية، التى من مهامها الأولية بناء التجمعات الاستراتيجية المناسبة لمواجهة ـ التحديات والتهديدات، والتوزيع الاستراتيجى الناجح لهذه التجمعات الاستراتيجية، وكفاءة التخطيط الاستراتيجى وخطط العمليات، وتوفير وسائل النقل الاستراتيجى الكافية والمناسبة لنقل القوات والفتح الاستراتيجى الصحيح للقوات المسلحة طبقا لخطط العمليات الإيجابية التى تضعها القيادة العامة للقوات المسلحة، ثم أخيرا توفير القيادة الاستراتيجية وأجهزة التخطيط الاستراتيجى والمخابرات الاستراتيجية اللازمة لحسن قيادة القوات المسلحة بالأخذ فى الاعتبار كل هذه العوامل ـ مع ضرورة الإجابة الوطنية المحددة للأسئلة السابق ذكرها ـ يمكن الاطمئنان إلى بناء القوة العسكرية المناسبة، كأداة لتحقيق الأمن القومى المصرى والسياسة المصرية، لمواجهة جميع التحديات والتهديدات الموجهة لمصر فى التسعينيات.
الهوامش:
المراجع:
(1) الورقة التمهيدية، مركز البحوث والدراسات السياسية، الخاصة بالمؤتمر السنوى الثالث للبحوث للسياسية فى مصر ص 1 ـ 2.
(2) دكتور أحمد شوقى الحفنى، الأمن القومى: دراسة نظرية فى الأصول والمفاهيم المنار العدد 39/ 40، مارس/ أبريل 1988 ص 35 ـ 36.
(3) المرجع السابق ص 36 ـ 37.
(4) دكتور على الدين هلال الأمن القومى العربى: دراسة فى الأصول شئون عربية العدد 35 يناير 984 ص 6 ـ 7.
(5) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى محاضرة كلية الدفاع الوطنى أغسطس 1987 ص 7.
(6) المرجع السبق ص 16 ـ 17.
(7) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات لمواجهة المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية مركز الدراسات الإستراتيجية للقوات المسلحة ديسمبر 1988 ص ـ 145.
(8) المرجع للسابق ص 145 ـ 146.
(9) المرجع السبق ص 147.
(10) الورقة التمهيدية، مرجع سبق ذكره ص 2.
(11) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى المصرى الأردنى والعلاقات المصرية الأردنية فى المجال العسكرى: القضايا المؤثرة على الأمن القومى المصرى الأردنى وأبعادها هيئة البحوث العسكرية يوليو 88، ص 3 ـ 4.
(12) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات مرجع سبق ذكره ص 38.
(13) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، تعقيب، ندوة مناقشة التقرير الاستراتيجى العربى، 7 ـ 8 أكتوبر 1989 مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
(14) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات مرجع سبق ذكر ص 28 ـ 41.
(15) المرجع السابق ص 44 ـ 46.
(16) المرجع السابق ص 42 ـ 43.
(17) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى المصرى الأردنى مرجع سبق ذكره ص 20.
(18) المرجع السابق ص 21.
(19) المرجع السابق ص 21 ـ 22.
(20) دكتورة نادية مصطفى مصطفى ومجموعة الباحثين، تأثير اشتراك إسرائيل فى أبحاث مبادرة الدفاع الاستراتيجى الأمريكى مركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة يونيو 1989 المقدمة ص أ.
(21) المرجع السابق المقدمة ص ب ـ د.
(22) المرجع السابق المقدمة ص د ـ ه.
(23) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم حرب نووية بين للعرب وإسرائيل: أسلحة العرب التقليدية قادرة على المواجهة روز اليوسف فى 9/ 10/ 1989.
(24) المرجع السابق.
(25) المرجع السابق.
(26) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى العربى: ملامح بناء الاستراتيجية الشاملة والشخصية العربية لتحقيق الأمن القومى العربى (نظرة مستقبلية) هيئة البحوث العسكرية ص 8.
(27) مجموعة باحثين، نظرة مستقبلية لإبعاد مشكلة المياه فى مصر مركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة مارس 1989 الموجز ص 1.
(28) المرجع السابق الموجز ص 1 ـ 3.
(29) المرجع السابق الموجز ص 3 ـ 4، 25 ـ 26.
(30) المرجع السابق الموجز ص 26 ـ 30.
(31) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى العربى: ملامح بناء الاستراتيجية الشاملة مرجع سبق ذكره ص 9.
(32) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى العربى ملامح بناء الاستراتيجية الشاملة مرجع سبق ذكره ص 9.
(33) عميد أ ح/ أحمد عبدالحليم، دراسة عن الحرب العراقية الإيرانية هيئة البحوث العسكرية يناير 1984 ص 15 ـ 16.
(34) لواه أ ح/ أحمد عمد الحليم، نتائج الحرب العراقية الإيرانية مرجع سبق ذكره ص 58 ـ 59.
(35) لواء أ ع/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى العربى ملامح بناء الاستراتيجية الشاملة مرجع سبق ذكره ص 5.
(36) المرجع السبق ص 1 ـ 11.
(37) الورقة التمهيدية، مرجع سبق ذكره ص 4، ص 6.
(38) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات مرجع سبق ذكره من 92 ـ 93.
(39) المرجع السابق ص 95 ـ 97.
(40) المرجع السابق ص 98 ـ 10.
(41) المرجع السابق ص 104 وأنظر أيضا: الأمن القومى العربى ملامح بناء الاستراتيجية الشاملة مرجع سبق ذكره ص 12.
(42) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات مرجع سبق ذكره ص 104 ـ 111.
(43) المرجع السابق ص 111 ـ 118.
(44) المرجع السابق ص 118 ـ 124.
(45) المرجع السابق ص 125 ـ 128.
(46) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى العربى ملامح بناء الاستراتيجية الشاملة مرجع سبق ذكره ص 13 ـ 14.
(47) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات مرجع سبق ذكره ص 139.
(48) المرجع السابق ص 129 ـ 135.
(49) المرجع السابق ص 135 ـ 136.
(50) المرجع السابق ص 137 ـ 138.
(51) المرجع السابق ص 137 ـ 138.
(52) المرجع السابق ص 138 ـ 140.
(53) المرجع السابق ص 14 ـ 141.
(54) المرجع السباق ص141 ـ 144.
(55) لواء أ ح/ أحمد عبدالحليم، الأمن القومى المصرى الأردنى مرجع سابق ذكره ص 22 ـ 23.
(56) عميد أ ح/ أحمد عبدالحليم العلاقة بين العلم العسكرى والاستراتيجية العسكرية والعلوم الأخرى بحث إجازة التخرج من كلية الحرب العليا، أكاديمية ناصر العسكرية العليا ديسمبر 1983 ص 89.
(57) مجموعة باحثين، التطور المطلوب تحقيقه فى الاستراتيجية العسكرية خلال التسعينيات مرجع سبق ذكره ص 148.
(58) المرجع السابق ص 148 ـ 149.