Share |
اكتوبر 1993
1
ضبط التسلح وإشكالية التفوق النوعى الإسرائيلى
المصدر: السياسة الدولية

البديل لعملية ضبط التسلح هو سباق التسلح ، الذى أدى من قبل إلى تصعيد مستوى و عسكرة الصراعات فى كافة المناطق الإقليمية، وخاصة منطقة الشرق الأوسط.
وبذا يعتبر التوصل إلى إطار عام لضبط للتسلح والحد منه فى الشرق الأوسط هدفا عاما تسعى إليه كافة الأطراف الإقليمية والدولية، ومن هنا كانت لجنة الأمن الإقليمى وضبط التسلح إحدى اللجان الرئيسية فى المباحثات متعددة الأطراف، فى إطار مباحثات السلام الجارية حاليا ولكن، وبعد هذه الجولات المتعددة للجنة الأمن الإقليمى وضبط التسلح، يبدر على السطح سؤال بارز: هل أمكن التوصل إلى إطار عام متفق عليه لقضية ضبط التسلح؟ وهل تمت صياغة المعايير اللازمة لتطبيق هذا الإطار على كافة الأطراف وليس بعضها بشكل متوازن بحيث يؤدى فى النهاية إلى تحقيق الهدف الهام من عمليات ضبط التسلح والحد منه، وهو تعظيم الأمن القومى للدول الداخلة فى هذه العملية عن طريق الحد أو الإقلال من التهديدات الموجهة لها؟.
والإجابة عن مثل هذه الأسئلة ليست مبسطة، أو ذات بعد واحد، ولكنها تعتمد بالدرجة الأولى على تحليل الموقف حتى الآن، وعلى تحديد مواقف الأطراف من هذه العملية المعقدة فى الوقت الحالى.
موقف الدول المصدرة للسلاح:
رغم المتغيرات العالمية والإقليمية، مازال فى مصلحة العديد من مصادر إنتاج الأسلحة، ومعظم أن لم يكن كل الدول المستوردة لها، استمرار تدفق السلاح إلى الشرق الأوسط، فما برح المدرون بجنون مكاسب سياسية/ استراتيجية واقتصادية من خلال مبيعاتهم من الأسلحة إلى المنطقة، كما يعتبرون أن تجارة السلاح هى مكون رئيس لعملية التنمية الشاملة لديهم.
وفى نفس الوقت يجد مستوردو الأسلحة أن استمرار حصولهم على نظم التسليح المختلفة يقوى من موقفهم الأمنى بشكل عام، وموقفهم النقاد من خلال مباحثات السلام بشكل خص وقد أدى ذلك إلى استمرار سباق التسلح فى المنطقة، نتيجة لاستمرار إمداد الأطراف بكميات هائلة من السلاح، وفى كافة مستوياته، إضافة لإمدادها بالتكنولوجيا الحديثة المتقدمة التى تدخل سباق التسلح فى الشرق الأوسط إلى أفاق جديدة.
كما ساهمت دوافع تجارة السلاح لأطراف المنطقة إلى تكدس الأسلحة التقليدية لديهم وبأكثر مما يحتاجون للدفاع عن أمنهم القومى.
وإلى انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل حملها المختلفة وخاصة الصواريخ البالستية أرض/ أرض فى المنطقة.
ولا ينتظر من دول المنطقة، والقوى العالمية، أن تتحرك فعليا تجاه الحد من التسلح طالما بقيت أهداف التجارة العالمية للسلاح كما هى، وطالما بقيت مصادر وأسباب التسلح موجودة، وطالما لم يتم التوصل إلى حلول نهائية عادلة وشاملة للصراع فى المنطقة.
وخلال الحرب الباردة، كان أكبر مصدرين للأسلحة فى العالم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، وذلك لأسباب متعددة وقد ساهم فى تدفق السلاح إلى المنطقة خلال هذه الفترة، أن التنافس لبيعها بين الدولتين فاق بمراحل كثيرة مبادرات فرض القيود على تدفق نظم التسليح، وعدم التقدم فى تسوية الصراع الرئيسى فى الشرق الأوسط لكن ولظروف مختلفة ومتعددة كان أساسها انهيار الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية الموالية له تضاعف عدد مصدرى الأسلحة للشرق الأوسط فقد أدت التغيرات العالمية الجديدة، وتفتت الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتى إلى جمهوريات مستقلة، إلى وجود مصادر بديلة متعددة لتصدير السلاح وتراوحت مصادر السلاح بين: الجمهوريات السوفيتية السابقة المستقلة حاليا وخاصة جمهوريات أسيا الوسطى، وبعض القوى الدولية القديمة المصدرة للسلاح ومن بينها المصادر الأوروبية الغربية ومن أهمها بريطانيا وفرنسا، ومصادر أخرى للسلاح مثل الصين وكوريا الشمالية إلا أنه يلاحظ على هذه المصادر: تطابق موقف أوروبا الغربية سياسيا واستراتيجيا مع موقف الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط وبالتالى فهى مؤيدة للتوازن الاستراتيجى كما تراه إسرائيل ويدعمها فى ذلك التأييد الأمريكى، وعدم قدرة بعض مصادر السلاح الأخرى مثل الصين وكوريا الشمالية وجمهوريات آسيا الوسطى على أن تكون بديلا كاملا للاتحاد السوفيتى فى إمداد المنطقة بنظم التسليح المختلفة، وتغير موقف هذه الدول وأيضا روسيا الاتحادية السياسى والاستراتيجى عما كان عليه موقف الاتحاد السوفيتى من قبل.
ورغم ذلك، يبقى للمصادر الأخرى للسلاح دور هام ومؤثر فى استمرار سباق التسلح فى الشرق الأوسط، ما لم تحل مشاكل المنطقة من خلال الالتزامات المتساوية والواجبة النفاذ، والتى تسرى بمقياس واحد على كافة دول الشرق الأوسط وفى هذا المجال، فإن أى مبيعات جديدة للسلاح لإسرائيل، تزيد من تشدد الدولة اليهودية تجاه قبول السلام، وتؤدى فى نفس الوقت إلى سباق جديد للتسلح فى المنطقة، وإلى تنافس متجدد بين مصدرى الأسلحة الجدد لإرسال مزيد من نظم التسلح إلى الشرق الأوسط.
وفى إطار هذه المتغيرات الجديدة، وتفرد الولايات المتحدة فى السيطرة شبه الكاملة على سوق السلاح، فإنها تقر لإسرائيل بميزتين رئيسيتين:
الموافقة الضمنية والمعلنة أحيانا على استمرار تفرد إسرائيل بالقدرة النووية فى المنطقة والتعهد الأمريكى باستمرار المحافظة على التفوق النوعى الإسرائيلى فى الأسلحة التقليدية على كافة الأطراف العربية ومن هنا، إذا حصل العرب من جهات أخرى على نظم جديدة للسلاح، قامت الولايات المتحدة بإمداد إسرائيل بنظم تسليح جديدة متفوقة نوعيا ، بل و كميا فى كثير من الأحيان وفى إطار هذه الظروف الجديدة، تجرى مفاوضات ضبط التسلح فى المنطقة بين العرب وإسرائيل.
الموقف الحالى للأطراف:
بشكل عام، تهدف سياسة الولايات المتحدة تجاه ضبط التسلح فى المنطقة إلى إعادة هيكلة التوازنات الاستراتيجية والعسكرية فى المنطقة والتحكم فيها طبقا لمصالحها القومية كما تهدف سياسة إسرائيل تجاه نفس الموضوع، إلى ترسيخ مفهوم السلام طبقا لإدراكها له، وتصورها له فى إطار التفوق الإسرائيلى الشامل فى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفى كافة نظم التسليح التقليدية وفوق التقليدية والنووية، وأيضا فى مجال الفضاء ونظم الدفاع المضادة للصواريخ.
ومن غير المجدى تحليل المواقف الأساسية لكافة الأطراف فى هذه العجالة، وما سنكتفى بتحليله حاليا، هو بعض المواقف المحددة للولايات المتحدة وإسرائيل، والتى تطرحها هاتان الدولتان خلال اللقاءات المتعدد ة التى تتم، والتى تحدد فى النهاية الإطار العام لتصور قضية ضبط التسلح فى الشرق الأوسط.
ونقول منذ البداية، أن عمليات بناء الثقة، وإنكار الحد من التسلح بما فيها جانبها الفنى، احتلت مكانة محورية فى الفكر السياسى والاستراتيجى الأمريكى، الأمر الذى يشير بوضوح إلى أهميتها البالغة فى سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة فى الشرق الأوسط وعلى الرغم من أن معظم الأفكار الجديدة التى تطرحها الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر فى خطوطها العريضة امتدادا للأفكار والإجراءات التى تبنتها الإدارة السابقة، إلا أن التغيير ينصب أساسا فى طابع التشدد الذى يميز الخطط الجديدة، والتى تكاد تكون محورا رئيسيا من محاور النشاط السياسى الأمريكى فى المنطقة.
وفى نفس الوقت، زاد وضوح تبنى الولايات المتحدة ودعمها للسياسات والأفكار الرئيسية لإسرائيل، والتعبير الواضح المباشر عن ذلك وقد شكل ذلك المنطلقات الأساسية التى تنطلق منها الجهود الأمريكية لضبط التسلح فى الشرق الأوسط، والأساس الصلب الذى يدور حوله الفكر السياسى والإستراتيجى الحالى للولايات المتحدة، وحيث يؤدى ذلك كله فى النهاية إلى التحكم فى الصراعات فى المنطقة، وفرص الحلول المناسبة من وجهة نظرها على أطراف المنطقة خاصة الأطراف العربية منها وذلك لضمان أمن وسلامة إسرائيل وتحقيقا لمصالحها القومية.
وفى تطبيق هذه السياسة تعتبر الولايات المتحدة أن السلاح النووى الإسرائيلى هو "عنصر استقرار" للمنطقة، كما تؤكد باستمرار أن أمن إسرائيل هو مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وتنظر فى نفس الوقت إلى استمرار معدلات التسليح العالية فى الشرق الأوسط خاصة للأطراف العربية على أنها تهديد مباشر للأمن القومى الأمريكى، حيث ترى ذلك كمحاولة من الأطراف المحلية لتحقيق أهداف غير مشروعة، أو أهداف عدوانية ضد إسرائيل.
وفى إطار ذلك فهى تدعو إلى فرض قيود مشددة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة الداخلة فى تصنيع الأسلحة النووية والكيماوية والصواريخ البالستية، وحظر تصدير تلك التكنولوجيا إلى العديد من دول الشرق الأوسط وفى نفس الوقت، تدعو إلى مواصلة دعم ومساندة إسرائيل للحفاظ على تعهدها لها بالتفوق النوعى على العرب وهى تجد صعوبة فى تحقيق هذه المعادلة الحرجة، التى يتعارض فيها مسعاها لدعم إسرائيل مع رغبتها فى الحظر الشامل لإجراء التجارب النووية، والحد من انتشار الأسلحة فى المنطقة، ومنع انتشار الأسلحة النووية طبقا للمعاهدة الخاصة بذلك.
وفى إطار هذأ الدعم الأمريكى المطلق، وبرغمه فإن إسرائيل تعلن أنها تواجه مشكلة ذات وجهين فمن ناحية، تشعر إسرائيل أن اعتمادها على الولايات المتحدة قد زاد عن الحد المطلوب لتأمينها، ولكن من ناحية أخرى لا تستطيع قطع صلاتها تماما بمسانديها فى الغرب، وخاصة الولايات المتحدة ومن هنا صعوبة المعادلة من وجهة نظرها التى توازن بين الارتباط بالولايات المتحدة والاستقلال عنها فى نفس الوقت، خاصة فى المجال السياسى والأمنى، وهو ما يحكم إصرارها على استمرار تفردها بالقدرة النووية فى المنطقة.
ويتأسس الموقف العربى فى هذا الشأن على افتراضات نظرية، لا يدعمها أى تطبيق عملى حتى الآن فاستمرار تفرد إسرائيل بالقدرة النووية، سوف يدعو أطرافا أخرى فى الآجال المتوسطة والطويلة إلى محاولة الحصول على نفس القدرة، لإعادة ضبط حالة التوازن فى المنطقة وعند حدوث حالة التوازن هذه نتيجة للوفرة النووية ، فسوف يتملك كل طرف القدرات النووية، منا يظهر للوجود حالة من الردع المتبادل.
وتعتبر "الوفرة النووية" فى هذا الحالة معادلة لـ نزع السلاح النووى وبذا يعاد وضع الحرب فى إطارها التقليدى والبديل لكل ذلك هو تخلى إسرائيل عن قدراتها النووية، وقبولها جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من كافة أنواع ومستويات أسلحة الدمار الشامل، وهو الأمر الذى تطالب به الأطراف الصربية، وتضمنته مبادرة الرئيس مبارك فى هذا الشأن.
وبعيدا عن هذه المواقف العامة للأطراف، فسوف نستعرض الآن بعض المقاولات التى قد تكون معبرة فى الوقت الراهن عن سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه قضايا ضبط التسلح فى الشرق الأوسط، كما تعطى فى إجمالها فكرة عامة عن التغير فى الفكر السياسى والإستراتيجى الأمريكى والإسرائيلى، فى هذا الشأن مع مناقشة سريعة لها.
أولا: المقولات الأمريكية:
(1) فى العلاقات الخارجية الأمريكية، فإن كندا لا تخاف من امتلاك الولايات المتحدة للقدرة النووية، وذلك لوجود شبكة معقدة للعلاقات السلمية بين البلدين، تعتمد على أبعاد متعددة وفى ذلك إشارة غير مباشرة للوضع فى الشرق الأوسط، حيث لا مبرر لخوف العرب من تملك إسرائيل للقدرات النووية، خاصة بعد إيجاد هذه الشبكة السلمية وهو منطق يدعو لإبقاء تفرد إسرائيل فى المنطقة كدولة نووية.
(2) مع إحلال السلام طبقا للظروف الحالية، فقد تكون هناك مزايا لإسرائيل على المدى البعيد حتى 10 سنوات ولكنه على المدى المتوسط من 10 إلى 15 سنة فقد تصبح المزايا متساوية والتغيرات محتملة وهو تأكيد للمعنى السابق، من ضرورة احتفاظ إسرائيل فى المراحل الأولى من السلام بتفوقها النوعى، مع مجرد احتمالات للتغيير بعد ذلك وهو التغيير الذى قد لا يتم.
(3) تهتم الأطراف بعملية عدم الانتشار، ولا تهتم بالتواؤم مع الانتشار والتعايش معه ويتعلق الانتشار هنا بالقدرة النووية التى تتفرد بها إسرائيل، وبذا فهى إشارة واضحة جديدة لضرورة تكيف العرب مع الحقيقة تفرد إسرائيل بالقدرات النووية، كما أنها تأكيد جديد للمقولتين السابقتين.
(4) أن إزالة الأسباب التى تدعو لاستخدام الأسلحة النووية فى المنطقة، أفضل من إزالة الأسلحة، نفسها وقلب المشكلة فى الشرق الأوسط سياسى، وهو ما يحكم عملية ضبط التسلح، المناسب هو فرض قيود على التسلح الحالى لحين استقرار المنطقة وإزالة كافة أسباب النزاع السياسى بها وهو نموذج لعدم التماثل فى الرؤية الموضوعية لشكل وجوهر السلام، كما أنه دعوة أخرى لاستمرار تفرد إسرائيل بالقدرة النووية فى الشرق الأوسط.
(5) لاتفاقات ضبط التسلح مغزى سياسى، أكثر منها مغزى عسكرى لذا فقد كان وجود استراتيجية التدمير المتبادل والمؤكد MAD سببا لوصول القوتين العظميين إلى نقطة توازن مقبولة أما فى الشرق الأوسط فالعلاقات ليست ثنائية، كما أنه لا توجد مثل هذه الإستراتيجية، لذا فهى ليست المكان المناسب لتطبيق هذه التجربة.
بشكل غير مباشر، تعتبر هذه المقولة دعما غير مباشر لفكرة العرب ل الوفرة النووية ، التى تؤدى إلى أيجاد حالة من الردع المتبادل ، كما تكون معادلة ل نزع السلاح النووى لكن جانبها المباشر يمثل استمرارا للدعوة السابقة إبقاء تفرد إسرائيل النووى الأمر الذى يؤكد ثبات السياسة الأمريكية بهذا الشأن.
(6) يجب الاهتمام البالغ بقضايا بناء الثقة بين الأطراف فى الشرق الأوسط، قبل إجراء محادثات جادة لضبط التسلح وأن ضبط التسلح ليس بديلا عن الردع ويلاحظ أن هذه هى وجهة نظر إسرائيل بهذا الخصوص، كما أنها تأكيد لضرورة بقاء الردع النووى فى يد إسرائيل.
(7) بخصوص السلام التقليدى، يجب اتفاق أطراف المنطقة على تقليل الطلب (Demand) قبل أن تسعى الأطراف المصدرة لتقليل العرض (Supply) أى تحكم الطلب فى العرض، وليس العكس وهو أمر يخالف الدعوة الأصلية نضبط التسلح والحد منه، كما أنه يفتح الباب واسعا لتلبية احتياجات إسرائيل من الأسلحة التقليدية، وفاء لتعهد الولايات المتحدة لها باستمرار احتفاظها بالتفوق النوعى على العرب.
(8) عدم اشتراك بعض الأطراف الفاعلة فى الشرق الأوسط فى المفاوضات الجارية حاليا مثل العراق وإيران وليبيا والجزائر لا يساعد على طمأنة إسرائيل قبل مناقشتهما للموضوع النووى وهو شرط تعجيزى للإبقاء على تفرد إسرائيل بالقدرة النووية، إضافة لعدم وجود أدلة قاطعة على امتلاك هذه الدول لقدرات نووية ويعتبر ذلك إستراتيجية موجهة لطمس الحقائق الموجودة، ومنع اتخاذ قرارا فى هذا الموضوع الحيوى وبتركيب مجمل هذه الأقوال الأمريكية، تتضح بشكل حلبى تفاصيل الموقف الأمريكى السابق الإشارة إليه، كما يتضح استمرار دعم الموقف الأمريكى لإسرائيل بوضعها الحالى، الذى تتفرد فيه بامتلاك القدرة النووية، وتفوقها النوعى على العرب مجتمعين.
ثانيا: المقولات الإسرائيلية.
(1) هناك شكوك قوية بخصوص السلام واستمراره، حتى بعد الوصول إلى اتفاقية سلام فإذا لم يكن السلام ممكنا، فيمحو التوصل إلى حل وسط، هو:
"التعايش معا لذا يجب التركيز على فكرة التعايش دون سلام، إذا لم يمكن تحقيق السلام بالفعل".
(وهو تعبير عن جوهر الفكر السياسى والإستراتيجى لإسرائيل من جهة، كما أنه يطابق بعض الأفكار الأمريكية من جهة أخرى، مثل: عدم الاهتمام بعملية عدم لانتشار النووى والتواؤم مع الانتشار الحالى وأن إزالة الأسباب التى تدعو لاستخدام الأسلحة النووية أفضل من إزالة الأسلحة نفسها).
(2) هناك تهديدات على المدى القريب، وأخرى على المدى الطويل ويجب التركيز فى الشرق الأوسط على المدى القريب وهنا تصبح الأسبقية للأسلحة التقليدية، وليس الأسلحة النووية بل أن مناقشة المسالة النووية الآن غير مناسب فالأسلحة النووية الإسرائيلية عامل استقرار وليست عاملا للاضطراب، مثل ما هو موجود فى مناطق إقليمية أخرى وتمثل هذه المقولة إحدى مشاكل عدم التماثل:
الأسلحة التقليدية فى مقابل الأسلحة النووية كما تتطابق مع بعض الآراء الأمريكية، مثل:
الأسلحة النووية الإسرائيلية عامل استقرار فى المنطقة، وأسلوب التعامل مع الأسلحة التقليدية كما يتضح فى هذه المقولة قدرة إسرائيل على المراوغة وقلب الحقائق.
(3) موضوع انتشار الأسلحة النووية مهم، ولكن ذلك ليس مشكله قريبة والمشكلة الحالية هى ضرورة إبقاء إجراءات السلام مستمرة، وأن يتم التركيز على الآليات والإجراءات التى تناسب ذلك وهى تأكيد للمقولة السابقة، ودعوة لإغفال قدرات إسرائيل النووية الحالية، وأن يتم بناء السلام على أساس استمرار تفرد إسرائيل بالقدرات النووية وهى من جانب آخر، تتطابق مع الآراء الأمريكية بهذا الشأن أو بمعنى أصح، فإن الولايات المتحدة تؤيد إسرائيل فى هذا الاتجاه.
(4) الحل هو الجلوس معا والحديث على أسس واقعية ، وإلا فسوف تضطر إسرائيل لشن حرب أخرى مدمرة لحل كافة المشاكل وهو عودة لسياسة إسرائيل السابقة القائمة على التهديد، وأن الإدارة العسكرية الإسرائيلية مستعدة دائما لحسم المواقف، إذا لم لا يتواءم الحل ومطالبها الكاملة.
(5) القضية هى ضرورة الاعلان عن استخدام القوات وأسلوبه، أو بمعنى أصح إعلان النية بعدم استخدام القوات ومعنى ذلك أن المطلوب تطبيقه أساسا فى المجال النووى هو الاكتفاء بإعلان إسرائيل عن ذلك وبشكل غير مباشر دون رغبة منها فى نزع هذا السلاح من المنطقة.
وبتركيب مجمل هذه الأقوال.
تتضح المواقف الحقيقية لإسرائيل التى تمثل جوهر مشكلة الحد من التسلح فى الشرق الأوسط، فتسعى إسرائيل لتحقيق كافة ضمانات الأمن لها، مع حرمان العرب من نفس الحق وفى إطار ذلك، تتبنى إسرائيل مواقفها على بعض الأسس.
أهمها استمرار توسيع الفجوة التسليحية بينها وبين العرب معتمدة فى ذلك على جهود الاعتماد على الذات والتعاون العلمى والتكنولوجى والمادى مع الولايات المتحدة، وحتمية تفوق إسرائيل فى كافة مجالات التسليح ومستوياته وخاصة المستوى النووى وتفرد إسرائيل بتملك القوة النووية فى المنطقة وحرمان العرب من ذلك، مم رفضها جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل أو توقيعها على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية مع رفضها الخضوع لنظام الضمانات والتفتيش الدولى، وغير ذلك من العوامل الأخرى الخاصة بهذا الموضوع.
الخلاصة:
هذا هو الموقف تجاه عملية ضبط التسلح، والحد من التسلح، والشرق الأوسط حتى الآن وهو لم يتغير كثيرا عن المواقف الأصلية للأطراف عند بدء التفاوض.
من هنا، ستبقى منطقة الشرق الأوسط ولفترة طويلة قادمة منطقة توتر.
وقد يؤدى ذلك لأسباب متعددة إلى مخاطر نشوب الصراع المسلح وبدء الحرب، خاصة إذا استمرت إسرائيل فى التفرد بالقدرات النووية، الأمر الذى قد يدفع بعض الأطراف الأخرى إلى محاولة مواكبتها فى هذا المضمار، ومحاولة الحصول على قدرات مماثلة ويزيد من تجسيد هذه الإشكالية تعدد مستويات الاقتراب منها، واختلاف الرؤى لهذا الموضوع بين منظور عالمى يؤيد الموقف الإسرائيلى فى جوهره ومنظور إقليمى بين دول منطقة الشرق الأوسط عدا إسرائيل لأسلوب تناول هذا الموضوع.
ويزيد من هذه الإشكالية تعقيدا، الاختلاف العربى وعدم القدرة فى الوقت الحالى على الأقل على تحديد الموقف العربى الجماعى تجاه قضايا السلام فى المنطقة، وتجاه قضايا ضبط التسلح والحد منه تحديدا.
والدليل الحاسم على ذلك هو عدم التزام بعض الدول بالموقف العربى الأولى الموحد تجاه عدم التوقيع على معاهدة الأسلحة الكيماوية ما لم يتم ربط ذلك بالمستوى النووى، فقد قامت بعض الدول العربية بعد ذلك بالتوقيع على المعاهدة رغم عدم تنفيذ الشرق العربى وبذا تخضع الأطراف العربية للرؤية العالمية والإسرائيلية لهذا الموضوع، والتى تركز بشكل أساسى على زاوية واحدة للحد من التسلح، هى زاوية تطبيق هذا الحد على الأطراف العربية فقط، مع ترك الموقف الإسرائيلى الإسرائيلى كما هو، محققة بذلك توازنا استراتيجيا لصالح إسرائيل.
والتوازن الحقيقى لكافة أطراف المشكلة هو جوهر الاستقرار السياسى والتوازن الإستراتيجى بها وأى خلل فى هذا التوازن وبهذه الشروط، قد يؤدى فى المدى المتوسط والبعيد إلى وقوع أزمات كبيرة، قد تؤدى إلى تفجير المنطقة مرة أخرى وتعرض السلام والأمن العاملين للخطر.