Share |
اكتوبر 2008
1
المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال. نماذج عالمية
المصدر: السياسة الدولية

من الناحية النظرية، بدأ الحديث عن جمعيات رجال الأعمال فى إطار حقل العلوم السياسية عموما والنظم السياسية المقارنة على وجه التحديد فى باب "جماعات الضغط" و"جماعات المصالح" وفى الثمانينيات من القرن العشرين، أعيد تصنيفها على أساس أنها أحد أطراف "المجتمع المدنى"، وكان لذلك التطور دلالاته المفاهيمية فجماعات المصالح قد تندرج أو لا تندرج فى أطر تنظيمية وهياكل مؤسسية، بيد أن معايير التنظيم والمؤسسية تعد ركنا ركينا فى تعريف مفهوم المجتمع المدنى، وتحديد ما ينطوى عليه من مكونات وعناصر هذا من ناحية الشكل أما من زاوية المضمون والمحتوى الوظيفى، فالفارق كبير بين جماعات تسعى للتأثير على صانع القرار بأساليب شتى تتراوح بين الضغط والمساومة والتفاوض، لتعظيم مكاسبها وتعزيز امتيازاتها وحماية مصالحها الخاصة، ومنظمات غير حكومية تنشأ بغرض تمثيل فئة اجتماعية بعينها، لكنها قد تتطلع أيضا للدفاع عن مصلحة عامة تمس المجتمع ككل، فتتجاوز صفتها التمثيلية الفئوية المحدودة بغرض حماية شرائح اجتماعية أخرى، ويتجه أعضاؤها لمد يد العون والمساعدة للآخرين من بين الفئات الأقل حظا وقدرة، والأدنى مرتبة على السلم الطبقى الاجتماعى (وتشمل المستضعفين والمهمشين من الفقراء واليتامى والأرامل، والأكثر انكشافا من الأطفال، والشباب، والنساء المعيلات، وأسر المساجين، والمسنين وذوى الاحتياجات الخاصة والمرضى، والمعاقين وقد تضم الخريطة منظمات تعمل فى خدمة قضايا عامة، فتتولى فتح أبواب الحوار وإدارة النقاش حول ملفات الشأن العام (كحماية أو تحسين البيئة وحقوق المرأة وحقوق الطفل) وقد انعكس بزوغ موجة العولمة واكتساحها للعالم بأسره على تصاعد الاهتمام الأكاديمى بالمجالات البينية التى تلتقى عندها وتتقاطع حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع فى تبنى مفهوم أشمل للتنمية وأفضى ذلك التطور إلى توسيع مساحات الدور ودوائر الحركة أمام المجتمع المدنى، وهو ما ترجمته على مستوى الممارسة مظاهر التنامى المطرد فى أعداد وأنشطة جمعيات رجال الأعمال التى بدأت تتطلع لممارسة دور "شريك" فى عملية صنع القرار ومن هذا المنطلق، تضاعفت أهميتها فى سياق الدول النامية، وغدت شريكا تنمويا وفاعلا أساسيا رديفا للدولة، بما يسمح بتقاسم المسئوليات معها فى المجال العام (1) وحتى فى أكثر دول العالم تقدما، لم يعد الحديث عن قطاع البيزنس يخلو من التطرق لقضية ـ المسئولية"، التى تشير إلى البعد الاجتماعى للنشاط الاقتصادى فأى مستثمر يسعى للربح أولا كهاجس طبيعى ومشروع، لكنه يجب ألا يكون هدفه الوحيد، إذ يجدر به بجانب العائد المادى الشخصى، تحرى جملة أخرى من الغايات الأسمى والأوسع والأعم تنوع الأشكال وتعدد المداخل: يتلخص مفهوم المسئولية الاجتماعية فى محاولة الانتقال من مفهوم الشركات الربحية إلى شركات متعددة الأغراض يؤدى أصحابها دورهم كمواطنين صالحين Good Citizens فى خدمة مجتمعاتهم وبلادهم والعالم كله، ويبذل صاحب المشروع الاقتصادى جهدا إيجابيا فى معالجة المشاكل الاجتماعية المحيطة به، أو"على الأقل وكحد أدنى ـ عدم التسبب فى تفاقم تلك المشاكل وزيادة تعقيدها فإذا كان لمشروعه مضاعفات أو آثار جانبية سلبية تولد مشكلات ضارة بالمجتمع، فعليه المسارعة بالبحث عن بديل، وتعويض المجتمع بشكل ملائم وبطبيعة الحال، تتنوع أوجه تلك المسئولية مع تعدد مجالات النشاط الاقتصادى (2) فعبر نشاط الاستثمار، يتصدى قطاع الأعمال لمشكلة المشاكل ـ البطالة"، وهى هم يؤرق المجتمع، ويعوق الاقتصاد عن النمو، إذ يسهم قطاع الأعمال فى محاولات علاجها من خلال توليد فرص عمل وتشغيل أعداد أكبر من الشباب العاطلين، وهو ما يستوجب معه تخفيف شروط التعيين، وإلغاء بند سنوات الخبرة السابقة (وهو شرط تعجيزى مستحيل لحديثى التخرج)، والقيام بمهمة التدريب، وإعادة التأهيل لإكساب العمالة المهارات المطلوبة بدلا من ترديد الشكوى بشأن ندرتها، وهو نوع من أنواع الاستثمار فى رأس المال البشرى، يمثل إضافة تنموية لموارد المجتمع بتحويلها من طاقة استهلاك إلى طاقة إنتاجية وقد لا يكون مطلوبا من صاحب العمل أكثر من الامتناع عن تسريح العمالة المشتغلة بالفعل، ومراعاة حقوقها المتصلة بالأجور، والحوافز، بما يكفل لهم مستوى معيشة كريما ولائقا، وحق الإجازات، والتأمينات، واحترام الحريات التنظيمية والنقابية للعمال (3) بدءا من المفاوضة الجماعية وانتهاء بحق الإضراب ومن جانب آخر، فعبر سياسات التوظيف المنتهجة، يمكن المساعدة فى تقليل "الفجوة النوعية"، أى تضييق الهوة وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء، ومن ثم اتباع سياسة بعينها فى التشغيل تستهدف تمكين المرأة وإنصافها أو تخصيص حصة أكبر لها من الوظائف على سبيل "التمييز الإيجابى"، والطريقة نفسها يمكن اتباعها مع ذوى الاحتياجات الخاصة بحيث يشكلون نسبة معينة من العاملين فى المؤسسة على المنوال نفسه، يتجلى فى أنماط ووسائل الإنتاج والتطبيقات المستخدمة (فى الصناعة والنقل مثلا) مدى مراعاة اشتراطات سلامة البيئة، والمساهمة فى الحفاظ عليها نظيفة خالية من التلوث، ومدى الحرص على عدم الإضرار بصحة الإنسان ثمة استثمارات أخرى أتاحتها ثورة الإعلام فى مجال امتلاك القنوات الفضائية والصحف المستقلة والخاصة، ناهيك عن ميادين الفن والإبداع (السينما ـ المسرح ـ الموسيقى والغناء وغيرها)، وهو ما يمثل استثمارا فى مجال له أهميته الحيوية فوسائل الإعلام، علاوة على دورها فى التنشئة، هى المسئولة عن غرس منظومة القيم والتوجهات التى تبنى ثقافة المجتمع ككل وتستهدف تطويرها نحو الأفضل ودورها الأخطر ليس مقصورا على التعبير عن الرأى العام، ولكن خلق هذا الرأى وصناعته وتوجيهه بما ينعكس على مسار العملية التنموية بالسلب أو بالإيجاب ولما كانت وظيفة تلك الأدوات هى مخاطبة الوعى العام، وصناعة العقل وتشكيل الوجدان، فلا يجوز أن تتحكم فيها الاعتبارات التجارية البحتة، وأن تترك لحسابات المكسب والخسارة بالمعنى المادى المحدود وكما تتنوع مداخل المسئولية الاجتماعية وصورها، تتعدد سبل واستراتيجيات الوفاء بها، فقد لا يكلف هدف حماية البيئة وتحسينها صاحب العمل القيام بأى جهد إيجابى، بل يكفيه الامتناع عن انتهاكها بوصفها أحد حقوق الإنسان، من خلال تفادى طرائق الإنتاج الملوثة والضارة بالصحة العامة، وتفضيل البدائل الصديقة للبيئة، أو أن يضع نصب عينيه الاضطلاع بـ"عمل إيجابى" يتمثل فى تأسيس، أو تمويل، أو الاشتراك فى مشروعات ذات مقاصد بيئية وهكذا، فبوازع من الضمير الذاتى، وبدافع داخلى، يتحرك صاحب العمل لبلوغ أهداف اجتماعية مرغوبة ذات مردود تنموى، وبحيث لا ينحصر جل تركيزه على جنى الأرباح، وتعظيم حجم الثروة الشخصية فقط ولكن ماذا إذا ما تعارض الهدفان؟ ما هو سقف الأرباح والفوائد المادية الكافى لإرضاء طموحه (أطماعه)؟ الأمر المؤكد أنه إذا كان لا يتطلع سوى لتحقيق أقصى ربح ممكن، ويقصر اهتمامه على مراكمة الثروة دون حدود، فهو بلا شك سيأتى على حساب التنازل عن أخذ جوانب أخرى فى الاعتبار، والتضحية بالبعد الاجتماعى الجدل غير المحسوم حول حدود المسئولية وأطرافها من المسئول وتجاه من ؟ إذا كان انسحاب الدولة وانكماش دورها فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى أصبح من المسلمات فى حقبة العولمة، فالسؤال الحيوى فى هذا المقام يتعلق بتحديد من يتحمل المسئولية، ويأخذها على عاتقه فى القطاع الخاص، فهل تقع على كاهل شخص بعينه هو صاحب العمل بصفته الفردية، أم أنها ذات طبيعة مؤسسية تنهض بها الشركات ووحدات الإنتاج المتواجدة فى السوق، بوصفها فاعلا اقتصاديا، وعندها يكون من المقبول طرح مفهوم طمسئولية الشركات"، أم أنها التزام جماعى يتصل بقطاع الأعمال ككل؟ حينئذ يثور الحديث تحت عنوان "المسئولية الاجتماعية للقطاع الخاص"، أو أنها تحيل إلى "مجتمع البيزنس"، المنخرط فى أطر وهياكل منظمة، وقنوات تمثيل، ومنابر يؤسسها، أو ينضم إلى عضويتها، رجال الأعمال لتتحدث باسمهم، وتذود عن مصالحهم، بالإضافة إلى دورها كآليات للتعبير وأدوات للاتصال، مثل تلك المنظمات التى ينخرط رجال الأعمال فى أنشطتها، تندرج فى إطار طالمجتمع المدنى" لتعكس صورة من صور العمل الجمعى المنظم، وتشمل الاتحادات والغرف التجارية والصناعية (تنقسم بحسب التخصصات وتتوزع على مجالات النشاط)، وجمعيات أخرى تضم رجال الأعمال من شتى ضروب التخصص، وباختلاف الأنشطة، فيطرح الموضوع تحت مسمى ـ المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال ـ والسؤال المنطقى التالى: هل يكفى العمل عبر واحدة فقط من تلك الآليات، بحيث تغنى مبادرة رجل الأعمال على المستوى الفردى وبصفته الشخصية، أو العائلية، عن دور الشركات المملوكة له بصفتها المؤسسية؟ وهل يساعد التحرك على أحد المسارات للقول إن رجل الأعمال قد أدى واجبه المفترض على الوجه الأكمل، وبما يجسد معانى "الالتزام" و"الشراكة" و"المسئولية"؟ وما هى حدود فعالية تلك الجهود وانتظامها من زاوية اتساقها وتجاوبها مع احتياجات المجتمع وتلبية متطلباته؟ وما مدى مراعاتها لتباين ترتيب الأولويات من منطقة لأخرى، أو تفاوتها بين المستويات المحلية، والقومية، ناهيك عن قابليتها للاستدامة، أو تعرضها للانقطاع والتوقف، لاسيما إذا كانت تنم عن اجتهادات فردية تلقائية أو موسمية (كما فى المناسبات الدينية أو أوقات الانتخابات) لا رابط بينها، ولا ضامن لاستمراريتها؟ وكما يدور الخلاف حول تحديد ماهية ـ الطرف المسئول"، يثور جدل أكبر حول الطرف الآخر، صاحب الحق المستهدف والأجدر بالاستفادة من خدمات رجال الأعمال فى المجال الاجتماعى فهل تستوى مشكلات المجتمعات ذات الاقتصادات النامية، التى تجابه أزمات بنيوية ملحة، مع المجتمعات المتقدمة ذات الاقتصادات المزدهرة؟ وإلى أى مدى توفر العولمة سياقا موائما وظرفا مواتيا لتعميم الفكرة، وعولمتها كمبدأ، لتمتد خارج الحدود القومية للدولة الواحدة، وليغدو المشروع الناجح دوليا موضع مساءلة ومحاسبة عالمية، ليس أمام مجتمعه وشعب بلاده فى الداخل فحسب، وإنما إزاء الشعوب كافة، والمجتمع الإنسانى بأسره؟ التأصيل لفكرة المسئولية الاجتماعية يكشف النقاب عن جذورها القديمة المطروحة فى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين، حيث شهد العالم إرهاصات الدعوة لتحميل قطاع الأعمال بالمسئولية إزاء المجتمع جنبا إلى جنب وبالتوازى مع دوره الاقتصادى فى السوق، وهو ما تمت بلورته وصياغته فى سلسلة من الإعلانات والبيانات الصادرة عن بعض الشركات بمبادرة طوعية ذاتية، وعن بعض المنظمات الدولية (4) كمنظمة العمل الدولية ILO، والبنك الدولى (5) ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادى الأوروبى OECD وغيرها واتخذت أغلبها مسمى ـ قواعد للسلوك ـ Codes of Conduct أو"دليل للإرشادات ـ Guidelines انضمت إليها مؤخرا جملة من الصكوك والمواثيق الدولية كاتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة، وإعلان ريو الصادر عن قمة الأرض عام 1991 حول البيئة والتنمية المستدامة وكانت بمثابة خطوات تمهيدية على طريق تقنين المبدأ فى نصوص تعهدية، وتضمينه فى صورة اتفاقيات ومواثيق ومعاهدات دولية تبرمها الدول، فيما بينها، لتكون أكثر إلزاما للشركات (6) وقد فتح صعود الشركات متعددة الجنسيات Multinational ـ Enterprises (MNE ـ s) واتساع نطاق أنشطتها العابرة للحدود، خلال الثمانينيات والتسعينيات، باب النقاش حول القضية مجددا، ولكنها فى هذه المرة طرحت كأحد ملفات الحوار الممتد بين الشمال والجنوب (7)، ولتصبح المسئولية موضع الجدل هى مسئولية الاستثمارات الدولية والشركات الأجنبية الضخمة، صاحبة الكارتلات العملاقة والاندماجات الكبرى التى باتت تحتل مراكز احتكارية فى الأسواق العالمية، سواء تجاه شعوب العالم ككل، أو تجاه المجتمعات المضيفة لأنشطتها، ولاسيما إذا كانت فى طور النمو ـ * بيل جيتس الخبرة الأمريكية (8): بمجرد تناول دور رجال الأعمال فى حقبة العولمة، سرعان ما تتبادر إلى الذهن صورة ـ بيل جيتس"، فهو بحق الرمز الأبرز لحقائق العصر، والتجسيد الأقوى لما لها من تجليات شتى ووجوه متعددة، ليس فقط اقتصاديا واستثماريا بوصفه صاحب أكبر شركة رأسمالية احتكارية فى السوق، أو معلوماتيا، حيث تعد ـ مايكروسوفت ـ رائدة وقاطرة ثورة الاتصالات والمعلومات عبر إنتاج الأجهزة وصناعة برمجيات الكمبيوتر والإنترنت ولكن نظرا أيضا للجنسية الأمريكية التى يحملها، وهى ذات دلالات سياسية بالغة الأهمية لا يجوز أن تغرب عن بال أى محلل مدقق ولذا، فتجربة بيل جيتس الغنية تصلح لوضع مقولة ـ المسئولية ـ محل اختبار، وتستحق التوقف عندها لدراستها، لاسيما وهى تجسد الهاجس الأمريكى (الاستعلائى) الذى تترجمه جملة مأثورة ترددها وسائل الإعلام الأمريكية صباح مساء: إننا نريد تغيير العالم وجعله مكانا أفضل ـ (9) ـ We want to change the World & make it a better place to live ففى زيارة قام بها جيتس إلى مصر عام 2005، تحدث عن مفهومه للمسئولية الاجتماعية للشركات واستراتيجية مايكروسوفت فى هذا الشأن على النحو التالى: لأننا نعمل على نشر استخدام الحواسب الشخصية، فمن المهم فى ثقافتنا أن نتأكد من أن الجميع يتمتعون باستخدامات التكنولوجيا الجيدة، بغض النظر عن إمكاناتهم المادية ونحن نرى أن التكنولوجيا قادرة على مساعدة الجميع ولذلك، فهناك تبرعات من منتجاتنا من البرمجيات للمدارس والمراكز الاجتماعية، كما يتطوع العاملون بمايكروسوفت بوقتهم للمساعدة فى عمليات التدريب وهذا الجهد ينمو بشكل متواصل قررنا أن ننظم الموضوع بشكل أكثر عملية، ونشارك الأفكار مع مختلف الدول، ورصدنا موارد غير محدودة وفى كل دولة أذهب إليها، أتحدث عما نفعله لخدمة المجتمع ـ (10) ويضرب المثل بالمساعدات التى قدمتها مايكروسوفت للمتضررين من ضحايا كارثة ـ تسونامى"، والتى بلغت نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون دولار، وجهت لعمليات الإنقاذ فى إندونيسيا وسيريلانكا والهند وتايلاند، كما ذهب عدد كبير من موظفى الشركة لإقامة مواقع إلكترونية للبحث عن المفقودين واستخدام موارد الإغاثة ومساعدة المتطوعين الخ وفى الداخل الأمريكى، قدمت مؤسسة جيتس تبرعات مهمة لجامعة كامبريدج ومؤسساتها البحثية، كما خصصت نسبة لتمويل المنح الدراسية والبعثات للجامعة (حيث يعتبر البحث العلمى من أهم المجالات الجاذبة لتمويل القطاع الخاص، وهو ما يعود بالفائدة أيضا على المجتمع ككل، ويضمن توفير العمالة المؤهلة ذات الكفاءة والابتكارية للقطاع الخاص) الحديث ينم عن اعتراف بالمسئولية، لكنه حتى هذه اللحظة كان يفتقر، على عكس ما يزعم، لرؤية واضحة محددة حول كيفية النهوض بها فهناك إشارة لتطوع العاملين بوقتهم، وتقديم تبرعات من منتجات مايكروسوفت للمدارس، ومساهمات فى جهود الإغاثة لضحايا الكوارث الخ، دون ذكر أية أرقام أو مؤشرات حول مردود تلك الجهود، هل آتت ثمارها المرجوة، أو حول مدى توافر عناصر المؤسسة والاستدامة لهذا النشاط، حتى لا يصبح بمثابة تقديم مسكنات مؤقتة فى صورة مساعدات مالية أو عينية للفقراء بما يوحى بأن ما ذكره هو من باب إبراء الذمة، أو دفع التهمة، أو التباهى لا أكثر ولا أقل (11) ووفقا لمسح سنوى تجريه مؤسسة ـ هاريس انتراكتيف ـ وصحيفة ـ وول ستريت جورنال"، فقد تأثرت سمعة مايكروسوفت إيجابيا بالأنشطة الخيرية التى يقوم بها رئيس مجلس إدارتها ومؤسسها، بصفته الشخصية، فأتت دوما فى مرتبة متقدمة باعتبارها الأفضل سمعة، وهو ما يشير إلى نجاح جهود جيتس فى المجال الاجتماعى فى كسب التأييد، والتعاطف، أو كأضعف الإيمان، فى تحسين صورة شركته لدى الرأى العام ومع هذا، فقد استمر الجدل والخلاف يحيط بتكييف طبيعة نشاط جيتس فى المجال الاجتماعى، وعما إذا كان ينطبق عليه مفهوم المسئولية الآخذ فى التبلور أم لا؟ فالفريق المؤمن بنظرية المؤامرة ذهب إلى تبنى نهج التشكيك فى نوايا رجال الأعمال الحقيقية، كما شكك فى نتائج مثل تلك الاستطلاعات واتهمها بالانتقائية، لما يشوبها من عدم دقة وعدم شمول، ويقف وراءها من أغراض دعائية، منظمة وموجهة من قبل الشخص نفسه ولما كان يتحرك بصفته الفردية، فإن جهوده لا تحتسب من قبيل الوفاء بالمسئولية الاجتماعية للشركة، كمؤسسة، بل هى لا تتعدى مفهوم الأعمال الخيرية ردا على ذلك، أكد فريق آخر أن الوضعية الاحتكارية لمايكروسوفت عالميا، والتصاقها بشخصية مؤسسها جيتس، الشاب العصامى العبقرى، الحامل للقب أغنى أغنياء العالم، جعلت منه رمزا للصناعة ككل فهو الذى ردد على مدى عقود متتالية مقولة ـ الرأسمالية المبدعة أو الخلاقة ـ Creative Capitalism وهى رأسمالية متوازنة تراعى متطلبات العمال وأصحاب العمل والمستهلك، كما تراعى احتياجات عامة الناس (وهو تعبير طرحه فى مقابل الرأسمالية المتوحشة أو الشركة بلا روح Soulless Corporation) (12) بوصفها تعول بالكامل على قدرة الميكانزم الحر للسوق (تلقائيا ودون تدخل) فى تحفيز الابتكار وتوليد النمو المستدام (13) وعليه، فلا يمكن فصل أو تمييز ما قدمه من مساعدات، بمبادرة طوعية، عن الدور الاجتماعى المفترض لشركة مايكروسوفت، فكلاهما وجهان لذات العملة الواحدة جاءت النقلة الكيفية، التى ألقت مزيدا من الضوء على موقفه فى يوليو 2008، إبان انعقاد منتدى دافوس الاقتصادى العالمى (14)، عندما فاجأ جيتس الحاضرين بإعلان قراره ترك إدارة شركته، ليتفرغ لأعمال الخير والمساعدة فى حل مشاكل الفقراء، فى مجالى التعليم والصحة، مع التركيز بصفة خاصة على هدف التصدى للأمراض المنتشرة فى إفريقيا (الإيدز والملاريا (15) ) الجديد أيضا أن ذلك العمل سيتم عبر مؤسسة ـ بيل وماليندا جيتس الخيرية ـ التى يعود تاريخ تأسيسها إلى عام ـ 1994، والتى تبرع لها بنسبة 52% من أرباحه وكانت الجملة الأبرز فى خطابه أنه برغم تفاؤله بحرية آليات السوق، إلا أنه لم يعد يطيق الانتظار، وقد نفد صبره أمام رؤية ـ العالم لا يتحسن لا بالسرعة الكافية، ولا بالنسبة للجميع ـ (16) لا تنبع أهمية المسألة فحسب من كونها مفاجأة، أو خطوة غير مسبوقة، فتجربة كل من أندرو كارنجى (1889) Andrew Carnegie الذى تبرع بـ 90% من أمواله لبناء مكتبات وجامعات للفقراء لتحسين أوضاعهم Carnegie Endowment وهنرى فورد (1914) Henry ـ Ford الذى قرر مضاعفة أجور العمال فى مصانعه بغية تحويلهم من عمال لديه إلى زبائن Turning employees into customers وأسس ـ Ford Foundation وديفيد روكفلر ـ David Rockefeller، رئيس بنك تشيز مانهاتن عام 1962، وبول تيودور جونز Paul Tudor Jones، الذى أنشأ مؤسسة روبن هود Robin ـ Hood Foundation لقياس فعالية التبرعات الخيرية باستخدام نفس معايير الكفاءة الاقتصادية وغيرهم الذين أنشئوا مؤسسات تقدم المنح الدراسية والتعليمية، وترعى الباحثين ـ كانت الأسبق زمنيا، وشكلت علامات بارزة لدور رجال الأعمال فى المجتمع الأمريكى وعلى المستوى الدولى وإنما تكمن أهميتها فيما شكلته من انقلاب جذرى فى توجه جيتس الذى لقب لعقود طويلة بالمنافس الأشرس، وبالإمبراطور والبارون فى عالم صناعات الكمبيوتر وبرامج السوفت وير، كما اعتبر بمثابة الرمز الأبرز للعولمة، بشتى تجلياتها كما ترجع دلالتها للمثل الذى تضربه، والرسالة الضمنية التى تنطوى عليها، وهى دعوة غيره من مشاهير الأغنياء فى العالم للاحتذاء به، ولو من باب منافسته ـ (على فعل الخير)، وهو على حد تعبيره قد ـ بدأ بنفسه ـ على أية حال، فقد ولد هذا الحدث ردود أفعال شديدة التباين، ما بين متعاطف، ومؤيد، ومعاد، ومعارض، ومشكك ردود الأفعال ما بين التأييد والنقد والتشكيك: أرجع البعض تصرف جيتس لشعور بالذنب، فالشخص الذى احتكر الصناعة، وحارب منافسيه، ورفض السماح لأى شركات أخرى بالتواجد إلى جانبه والحصول على حصة مشاركة له فى السوق، يكفر الآن عن أخطائه ويسعى لتعويض الضحايا (17) أما غلاة الرأسماليين، فقد اتهموه بالسعى وراء اكتساب مجد شخصى، وأنه أراد أن يجعل من نفسه فيلسوفا (18) على حساب أموال المساهمين ولم يتوقف عن استغلال مجهود الموظفين والعمال فى شركته، بل اعتمد عليهم فى الاضطلاع بمسئوليات ومهام جديدة تحت شعار الدور الاجتماعى مقابل الأجر نفسه، أى دون أن يكلفه ذلك شيئا، بدليل الشواهد العملية التى تظهر عكس ما يقول فلو أن رغبته صادقة فى القيام بدور حقيقى، لبدأ من باب أولى بتخفيض الأسعار المرتفعة لمنتجاته، حتى تصبح فى متناول الجميع، أو لأقدم على تثبيت العدد الغفير من العمالة المؤقتة لديه، أو لزاد من أجورهم الخ كما تساءل آخرون عن سر توجيه اهتمامه لإفريقيا خاصة، فى حين توجد بالولايات المتحدة جيوب للفقر وفئات أحوج كثيرا لمساعدته (19) فوطنه وبلاده كان هو الأولى بدوره الاجتماعى، وهو البلد الذى يدين له بما وصل إليه من ثراء وحقق على أرضه من نجاحات وفى معرض التشكيك أيضا، ألمح البعض لما تمثله إفريقيا من عقبة أمام تطبيق اتفاقية ـ التريبس ـ الدولية المتصلة بحماية ـ حقوق الملكية الفكرية"، فى قطاع صناعات الدواء، وكيف ينعكس ذلك سلبا على مايكروسوفت وينتقص من أرباحها، أى أن اهتمامه بإفريقيا ليس بمحض المصادفة، أو لاعتبارات إنسانية بحتة، بل بدافع المصلحة (20) انبرى الفريق المضاد للدفاع عن موقف جيتس، المستحق للثناء والتشجيع، متهما أصحاب وجهة النظر السابقة بقصور الرؤية لمايكروسوفت، وكأنها شركة أمريكية فقط، فى حين أنها مؤسسة عالمية، حققت أرباحها بفضل مبيعاتها التى غزت الأسواق فى كل أرجاء العالم، واحتلت مركزا احتكاريا دوليا غير قابل للمنافسة (21) التعليق اللافت، والجدير بالرصد، هو ذلك الذى يعتبر أن كل هذه الجهود لن تغير شيئا، ولن تفلح فى استئصال الفقر من العالم ما دامت لا تعالج المشكلة من جذورها، بدليل الفشل الذريع للجهود الدولية السابقة، والذى منيت به كافة المنظمات الدولية المانحة بعد عقود طويلة فى بلوغ الهدف نفسه من خلال سياسة تقديم المعونات والمساعدات الدولية، والتى أسفرت عن إهدار الملايين بلا جدوى إذ يكمن مفتاح إخفاقها فى استمرار نظم الحكم الديكتاتورية والتسلطية، التى يستشرى فيها الفساد بمختلف ألوانه ودرجاته، ويحول دون ذهاب المساعدات لمن يستحقها من الفقراء والمهمشين الدرس المستفاد أنه ما لم يتم إسقاط تلك النظم والإطاحة بها، ولو بالقوة، وإرساء نظم ديمقراطية حرة نزيهة، فلن تنجح محاولات جيتس وغيره فى محاربة الفقر، حتى لو أنفق ثروته بالكامل وفى المقابل، انصرف آخرون إلى تأكيد قيمة ما يقوم به جيتس من نشاط اجتماعى، وتوصيف جهوده على أنها تندرج فى إطار ـ الحرب على الإرهاب وتجفيف منابعه"، حيث يساعد تقليل الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون على تحقيق السلام والأمن للعالم بأسره، ويقضى على سبب خطير من مسببات الإرهاب وسيرا على خطاه، فضل فريق آخر من كبار المستثمرين ـ ومنهم وارين بافيت (22)، ولارى بيج وسيرجى برن (أصحاب موقع جوجل) وجوردن مور (عملاق صناعة الرقائق الإلكترونية وأحد مؤسسى شركة انتل) الخ ـ إبداء التعاون من خلال التبرع بمبالغ مالية تصل لمليارات الدولارات لمشروعات قائمة بالفعل، لمكافحة الفقر، بدلا من تأسيس مشروعات جديدة خاصة، أو تدشين مؤسسات تحمل اسم الشخص وعائلته على نحو ما فعل جيتس (23) واختار هذا الفريق أداء دور اجتماعى والمساهمة فى العمل الخيرى، ولكن بنهج مغاير، أى عبر الاكتفاء بالتمويل، وكان لديه مبرراته فى ضوء افتقار أغلب هؤلاء الأثرياء من رجال الأعمال للخبرة والمعرفة المتخصصة اللازمة لتأسيس مشروعات فى مجال التنمية الاجتماعية، ناهيك عن إدارتها على النحو الأمثل، وإقرارهم بأنهم ليسوا من ـ محترفى ـ العمل الاجتماعى، أو ذوى الخبرة والتخصص فى حقل التنمية (24) وليس معنى نجاحهم الاقتصادى فى السوق، وعلى مستوى المشروع الخاص، أنهم قادرون بالمثل على تحقيق نفس درجة الكفاءة، إذا ما انتقلوا للعمل على مستوى تنموى ومجتمعى أشمل فى المقابل، وعلى النقيض من الحجة السابقة، رغم وجاهتها، استند رهان دعاة المسئولية الاجتماعية للشركات إلى توافر عنصر الكفاءة وثبوت تحققها لدى رجال الأعمال، بدليل نجاحهم فى السوق، مما يجعلهم أقدر من الحكومات وأجهزتها البيروقراطية (التى ثبت عجزها وفشلها المتكرر) على النهوض بمشروعات اجتماعية ناجحة، وإدارتها بمنطق القطاع الخاص، أى بنفس المهارة التى أداروا بها مشروعاتهم، وبما يضمن أعلى عائد تنموى ممكن، ويقلل الحد الأدنى من معدلات الهدر، والفقد والفساد، ناهيك عن عدم الكفاءة، وأوجه القصور التى اكتنفت أداء القطاع العام نحو ضبط المفهوم وتحديد محتواه: لا تحمل فكرة المسئولية الاجتماعية لقطاع الأعمال طرحا جديدا على المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، فقد سبق أن ثار جدل واسع منذ الثلاثينيات حول الأهداف التى تنشأ من أجلها الشركات، وأصبح من التقاليد الأكاديمية، منذ كان لأستاذى القانون أدولف بيرل Adolf Berle وميريك دود Merrick Dodd السبق فى طرحها لأول مرة وفى مطلع السبعينيات، وجه ميلتون فريدمان (25) انتقادات حادة للفكرة على أساس تناقضها مع فلسفة الحرية واقتصاد السوق محذرا من عواقب وخيمة تترتب على تطبيقها، وأنها قد تفضى إلى تقويض أركان النظام الرأسمالى لأكثر من سبب وقد ساق فريدمان حججا وجيهة من المنظور الليبرالى للتحفظ الذى أبداه الحجة الأولى مفادها أن أقصى دور يمكن إسناده لرأس المال هو التركيز على هدفه الأصلى، وهو الربح والعمل بجدية لتثبيت أقدامه فى السوق، وتحقيق مصلحته الخاصة دون الوقوع فى الفساد هذا المعيار وحده كافى فى حد ذاته، ولا غضاضة على صاحب العمل أن يستهدف زيادة ثروته، فهذا المسلك ليس شائنا ولا يدينه، ولا يقلل من إسهامه فى التنمية والنهوض بالاقتصاد، وخدمة الوطن من خلال دوره الأصيل كمستثمر، وأن شغله بأمور أخرى ليست فى صميم اختصاصه الاقتصادى هو تشتيت لذهنه وتبديد لدوره ومن النماذج التاريخية البراقة والمشرفة رائد الاقتصاد المصرى الحديث طلعت حرب، الذى وظف استثماراته ونجاحه كرجل أعمال فى بناء قاعدة وطنية للصناعة والبنوك والعديد من المشروعات، فهو مؤسس بنك مصر، وأستوديو مصر، وشركة مصر للطيران، وشركة الأقطان وكان هدفه تخليص الاقتصاد الوطنى وتحريره من الهيمنة الأجنبية وسيطرة الاحتلال البريطانى وبناء قلاع صناعية وطنية ركيزة لاستقلال الاقتصاد المصرى ومن النماذج المعاصرة أصحاب المشروعات الصناعية فى المدن الجديدة مثل: 6 أكتوبر، والعاشر من رمضان، والعبور، وبرج العرب وغيرهم الذين يسهمون بالصناعة والتصدير، وتعمير المدن الجديدة ومن ناحية ثانية، فلا يجوز تحميل الفرد الواحد بمسئولية تحرى المصلحة العامة للمجتمع بأسره، لأنه لا يمكن بلوغ الغايات الجماعية بآليات فردية خاصة، لاسيما وهى غير قائمة فى تشكيلها على الانتخابات، فكيف يتسنى لها تحديد كنه الصالح العام وليست لها أية صفة تمثيلية؟ (26) والمسئولية الاجتماعية التى تقتطع جزءا من الأرباح هى شكل من أشكال الضريبة غير المباشرة الإضافية (وكأنها إتاوة) التى يدفعها رجل الأعمال، طواعية أو مضطرا، (هل يدفعها قبل أم بعد دفع الضريبة المباشرة الأصلية؟) بما يخالف أصول الديمقراطية التى ترتكز على مبدأ ـ لا ضرائب دون تمثيل ـ كحجر زاوية ففرض الضرائب هو بالأساس وظيفة سيادية تحتكرها الدولة، وهو مناط الاختصاص الحكومى وتصرف رجل الأعمال معناه ـ فى نظر فريدمان ـ أنه جعل من نفسه مشرعا ومنفذا وقاضيا فى آن واحد، وأنه وضع نفسه مكان البرلمان المنتخب بما يتناقض مع قاعدة الفصل والتوازن بين السلطات يضاف إلى ذلك أن صاحب العمل ومديره تقع عليه بالفعل التزامات أخرى تجاه المساهمين معه فى الشركة أو حملة الأسهم، والذين لا يجوز الإضرار بمصالحهم، وغير مسموح لمدير الشركة التصرف فى أموالهم على هواه وببساطة فالسؤال هو: من سيدفع الحساب ومن يتحمل سداد الفاتورة؟ يفترض السيناريو الواقعى استحالة تضحية صاحب رأس المال بثروته، فهو لم يؤسس المشروع ليخسر أمواله، ولذا فالأرجح أنه سيتجه لتحميل طرف آخر بالتكلفة، وسيقع اختياره على الطرف الأضعف وهو: إما العمالة المشتغلة لديه (بالانتقاص من أجورها أو الإجحاف بحقوقها )، أو المستهلك طالب السلعة أو متلقى الخدمة (برفع السعر أو تخفيض الجودة) وفى غيبة الضوابط التشريعية، والأطر النقابية والتنظيمية الفعالة التى تحفظ حقوق هؤلاء (نقابات عمال وجمعيات حماية المستهلك)، يسهل على صاحب العمل التظاهر بأداء ـ مسئوليته الاجتماعية ـ على خير وجه، دون أن يكلفه ذلك الكثير غير أن المعضلة التى يجابهها هى تطور معايير الجودة العالمية التى يتم على أساسها منح شهادات الأيزو، اللازمة لبقائه فى السوق، والأصعب أنها باتت تدخل الوفاء بحقوق العمال ضمن مؤشرات تقييم أداء الشركات ففى ظل تطور المجتمع المدنى العالمى، يجد صاحب المشروع نفسه محاصرا، لا يستطيع الإضرار لا بحقوق العمالة، ولا بجمهور المستهلكين، ولا بحملة الأسهم من شركائه علاوة على ما سبق، فالدخول فى الجوانب التفصيلية والانتقال إلى مرحلة التطبيق يكشفان عن مزيد من التعقيد الذى يلقى بظلاله على مفهوم المسئولية الاجتماعية، فهو يفترض أن صاحب رأس المال لديه تراكم من الخبرة الفنية المتخصصة فى مجال العمل الاجتماعى، ومطلوب منه الإلمام بترتيب الأولويات التنموية على أجندة المجتمع والمفاضلة بينها (وتلك وظيفة أساسية وسلطة تقديرية من اختصاص الدولة أولا والمجتمع المدنى ثانيا)، وأن يتولى تخصيص الموارد وينوب عن الدولة فى ضبط إيقاع السوق وهو من منظور الاقتصاديين يقفز من مستوى الاقتصاد الجزئى إلى مستوى الاقتصاد الكلى فإذا اختار تخفيض السعر لتحجيم معدلات التضخم، فعليه أن يجرى من الدراسات ما يساعده فى تحديد نسبة التخفيض الفعالة، وأنى له أن يضمن أن تأتى بنتائجها المرجوة، وهو لا يعمل وحده فى السوق؟، فهناك منافسون قد لا يتخذون نفس الخطوة وليس فى مقدوره محاسبتهم وإذا اختار نمط إنتاج صديق للبيئة (مثال المزارعين المحليين فى أمريكا اللاتينية والكاريبى الذين يتلقون دعما من شركات المواد الغذائية يساعدهم على تحسين نوعية محصول نوع من الحبوب يزرع محليا بدون استخدام مبيدات أو مخصبات كيماوية، وهو ما أسفر عن زيادة الطلب العالمى على هذه الحبوب بما يعنى تحقيق مزيد من الأرباح، أى أن المشروع عاد بالنفع على كلا الطرفين: المزارعين والشركة) (27) فهو سيحتاج بالضرورة للاستعانة بجهاز فنى متخصص، ولطلب المشورة من أهل الذكر والباحثين وخبراء البيئة الأدرى منه بمشاكلها والذين أجروا دراسات علمية دقيقة حول مصادر التلوث، خلصت إلى اقتراح توصيات بأفضل البرامج للحد منها، وبناء عليها تقوم الشركات بمعالجة الآثار السلبية الناتجة عن نشاطها على أساس إدارة المخاطر وإلى جانب خدماتهم البحثية والاستشارية، يمكن لهؤلاء الخبراء تدريب الموظفين والعاملين بالشركات على تطوير أساليب الإنتاج، بغية تحسين البيئة، وتوليد عائد اجتماعى تنموى أكبر الخ (28) وإذا كان القرار تشغيل العاطلين غير المؤهلين بعد تدريبهم، فالسؤال سيدور حول المقابل الذى سيدفعه لهم وكيف يتفادى الاصطدام بالنقابات بشأن التزامه بالحد الأدنى للأجور؟ وكيف تستقيم له معادلة قبول مستوى أقل من المهارة والإنتاجية مع الاحتفاظ بالسعر (ومن ثم هامش الربح) ثابتا؟ بيد أن كل الإشكاليات المحيطة بالتنفيذ لا تدحض مغزى الفكرة وصحتها فى حد ذاتها، بقدر ما تلفت الانتباه لأهمية إحاطة عملية تطبيقها بالضمانات والضوابط الواجبة فالحديث عن المسئولية الاجتماعية للشركات يسلط الضوء على ضرورة صياغة وتطوير حزمة من التشريعات وتهيئة البيئة القانونية المناسبة التى تكفل توجيه وتنظيم جهود رجال الأعمال، وتضمن توظيفها فى خدمة المجتمع، وتحيطها بضمانات الكفاءة والنزاهة والمصداقية، كما توفر للشركات المحفزات القوية من إعفاءات وتسهيلات وتيسيرات ضريبية وامتيازات تشجعها على الانخراط فى مشروعات ذات مردود اجتماعى، يتوازن مع عائدها الاقتصادى، وكلها مهام ـ سياسية ـ تقع فى جوهرها على كاهل الدولة بالأساس بل ويكفى أحيانا مجرد قيام الدولة بتذليل العقبات البيروقراطية التى تشكل عائقا أمام الشركات المهتمة والراغبة فى المساهمة فى حل مشاكل الحياة اليومية للناس، والتخفيف من المعاناة الاجتماعية الإشكاليات التى تحيط بإجراءات التنفيذ تفرض نفسها وتبرز على السطح فى حالة صدق النوايا المحركة لرجال الأعمال، وتوفر الرغبة الحقيقية لديهم فى النهوض بالمسئولية الاجتماعية عن اقتناع مبدئى (التزام وواجب وطنى أو كفرض دينى من باب التكافل الاجتماعى، وأداء فريضة الزكاة) أحد أركان الإسلام (أو من قبيل العمل الأشبه بالأوقاف الخيرية، ويكون الدافع إنسانيا أو عقيديا أملا فى الثواب ودخول الجنة الخ) ذاك سيناريو تشوبه المثالية واليوتوبيا الأفلاطونية إلى حد بعيد، ويتغافل عن ضرورة التفريق بين العمل الخيرى كتطوع ذاتى لا يحاسب عليه سوى الضمير، والمسئولية الاجتماعية كالتزام يقتضى وجود آليات لمساءلة الطرف المقصر يكشف الكثير من المراقبين الذين يرصدون سلوك رجال الأعمال فى المجال العام عن وجه آخر له يزخر بملامح التناقض فبرغم النوايا الطيبة لدى البعض، قد لا تحقق مبادراتهم فى هذا الاتجاه العائد المنشود، إذ تنقصهم الخبرة، أو المعلومة، ويحتاجون إلى الإرشاد والتوجيه (لأن مجال العمل الاجتماعى ليس مجالهم الأصلى)، كما يفتقرون للأطر التنسيقية، ولذا تشوب جهودهم حتى لو كانت صادقة، سمات التخبط والعشوائية منطقة أخرى شائكة تحيط بالمسئولية الاجتماعية إذا تم تسييسها، مثل المساهمة فى مشروعات خيرية واجتماعية تنموية تحت رعاية الأسر الحاكمة وقرينات الرؤساء أو الأمراء (29) والأميرات من أحدث الحملات حملة ـ دبى العطاء ـ التى أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبى، فى سبتمبر 2007، والتى تسعى للقضاء على الجهل والأمية، من خلال إتاحة فرصة التعليم لأكثر من ـ 125 مليون طفل حول العالم، حرموا من حقهم فى التعليم والرعاية الصحية والخدمية إذ يوفر غطاء الرعاية الرسمية الثقة، ويضمن تجاوب رجال الأعمال، وهو ما حدث حتى بالنسبة للأجانب منهم ولكن العيب الأساسى يكمن فيما يشوب هذا من احتمال السعى وراء الأضواء والشهرة، والصخب الإعلامى، أو تجنب التعرض للابتزاز والتشهير على يد وسائل الإعلام وفى أحيان كثيرة، قد يحدث نوع من المنفعة المتبادلة بين رجال الأعمال والنخب، فكل من الطرفين يدعم الآخر ويعزز شرعيته وهى فى أغلب الأحوال، سيترتب عليها امتيازات عديدة ومجزية لرأس المال، تأتيه فى صورة إعفاءات ضريبية، أو جمركية، أو تسهيلات ائتمانية، أو تمليك لأراضى الدولة بأسعار زهيدة، أو مجانا أو فترات سماح طويلة وممتدة الخ وقد يحصل رجل الأعمال على هذا المقابل بشكل مشروع وفى النور، لأنه متضمن فى التشريعات الاقتصادية وقوانين الاستثمار ولوائحه، وقد يحصل على المزيد فى صورة استثناءات (خارج القانون) تقع فى معظم الأحوال فى دوائر الشبهة والفساد رصد حركة رجال الأعمال على المسرح السياسى، ودخولهم معترك الانتخابات وتطلعهم لعضوية البرلمان (30) أملا فى الحصانة أو الوجاهة، والذى اقترن فى واقع الممارسة بالفساد والإفساد، وأضر بسلامة العملية الانتخابية ونزاهتها ـ يزيح أيضا الستار عن محاولة البعض من رجال الأعمال استخدام فكرة المسئولية الاجتماعية مطية لتحقيق طموحات سياسية، وأنه كثيرا ما يجرى توظيفها لضرب أكثر من عصفور بنفس الحجر الواحد، وفى خدمة أغراض الدعاية فى الحملات الانتخابية (فهى إحدى صور شراء أصوات الناخبين أو التقرب إلى السلطة فيما عرف بظاهرة ـ زواج الثروة بالسلطة ـ والمتابع للإنفاق البذخى على الانتخابات، يلتقط حالة من التكالب، والتهافت، والتسابق المحموم بين رجال الأعمال للوصول إلى البرلمان) بما يكشف عن أن التورط فى ممارسات الفساد لا ينحصر فى دوائر اللعبة السياسية فحسب، وإنما قد يمتد ليشمل المجال العام برمته خطاب المسئولية الاجتماعية قد يمثل فى حد ذاته غطاء لألوان شتى من الفساد، لاسيما إذا كان خطابا تضليليا يخدع ببريقه الأخاذ المخاطبين به، وهو لا يزيد على ثوب الراهب أو القناع Mask الذى يرتديه الأشخاص فى الحفلات التنكرية ليختفى وراءه نشاط إجرامى يوقع صاحبه تحت طائلة العقاب القانونى، وحتى لا ينكشف الوجه الحقيقى القبيح للبيزنس فتجارة المخدرات والسلاح والرقيق الأبيض والمضاربات المالية والممارسات الاحتكارية وغيرها من أشكال الجريمة، تترافق مع مشروعات اجتماعية وخيرية وإسهام فى برامج تنموية فيما يعرف اليوم، وعلى المستوى الدولى، بغسيل الأموال القذرة كل هذه الظواهر من سوء استغلال للفكرة وتستر وراء الشعار البراق يصفها ـ ميلتون فريدمان ـ بحالة انفصام وازدواج الشخصية (الشيزوفرينيا) التى تطغى على طبيعة عدد لا يستهان به من رجال الأعمال وتظهر فى خطابهم وهى ظاهرة مرضية تتجلى بأخطر أعراضها فى انفصال القول عن الفعل ووقوع أغلب هؤلاء فى تناقض مع الذات ومع كل ما ترتكز عليه مجتمعاتهم من أسس اقتصاد السوق الحر والديمقراطية التمثيلية والمفارقة الطريفة أن تشدق بعضهم بالحديث عن ـ المسئولية الاجتماعية ـ ينطوى ضمنيا على إدانة للبيزنس، ويكرس من الصورة الذهنية السلبية السائدة لدى الرأى العام (وعبر الوسائل الإعلامية) لرجل الأعمال وللمشروع الخاص الهادف للربح، ولكل ما هو بيزنس، بوصفه عملا شريرا وغير أخلاقى بطبعه، ولذا يتعين التصدى له وتقييده، أو ذنبا وخطيئة يجب على مقترفها التكفير والاعتذار عنها ومع الدخول فى حقبة العولمة الرأسمالية، عادت الفكرة لتطل برأسها من جديد، واكتسبت رواجا وقبولا أوسع فى أوساط الاقتصاديين، وفى أروقة المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية العاملة فى مجالات التنمية وتوالت على أثر ذلك الاجتهادات البحثية فى سبيل صقل المفهوم، وضبطه، والتوصل إلى تحديد أدق لمحتواه دور وسائل الإعلام والمجتمع المدنى فى تعزيز الفكرة والترويج لها: وكان لوسائل الإعلام دور محورى فى تبنى الفكرة والترويج لها، حيث وضعتها ضمن معايير التقييم التى يتم على أساسها ترتيب الشركات بحسب درجة الثقة فيها، من وجهة نظر الجمهور المشارك، فى استطلاعات الرأى، جنبا إلى جنب مع المعايير التقليدية الأخرى كالأداء المالى، وبيئة العمل، والجوانب الأخلاقية الخ وجاءت النتائج لافتة، إذ اتضح ارتباط التحسن الملحوظ فى مركز إحدى الشركات وقفزها إلى مرتبة أعلى على القائمة بحملة دعائية حول البرامج المقدمة من جانبها لمساعدة المحتاجين، والتى أعقبت مباشرة أزمة واجهتها الشركة بسبب انكشاف عيب خطير فى أحد منتجاتها واضطرارها إلى سحبه من السوق، مما كان من شأنه إلحاق أشد الضرر بسمعتها، لولا ما أسرعت بتقديمه من نشاط اجتماعى (على سبيل التعويض) (31) وعلى النقيض، سقطت شركات أخرى أو حتى قطاعات بأكملها كالسيارات، والطيران، والطاقة، والخدمات المالية، والدواء، والتبغ فى ذيل القائمة، حيث فقدت ثقة الجمهور لعدم مراعاتها للمعايير الأخلاقية بطبيعة الحال، فإن قيام الصحف ـ على نحو ما تفعل صحيفة ـ وول ستريت ـ بنشر نتائج هذه الاستطلاعات بصفة دورية منتظمة يدفع الشركات للتعقيب، وللدفاع عن نفسها، برغم حرصها على نفى كل ما ينسب إليها من أوجه قصور، تتعلق بالنواحى الأخلاقية لكن فائدة مثل هذه الاستطلاعات تتمثل فى تعزيز مفهوم ـ المسئولية الاجتماعية ـ من خلال إكسابه لمزيد من الاعتراف، كمعيار لتقييم الأداء، وكأحد أبعاد التنافس بين الشركات، وهو ما يتأكد لاحقا فيما تبديه تلك الشركات من اهتمام بالغ بإظهار امتثالها لتلك المعايير، والإسراع بتصحيح مسارها تجاه المجتمع (المحلى أو القومى أو العالمى) ضغوط الإعلام وتجاوب الشركات، على هذا النحو، شكلا ملمحا من ملامح تطور مفهوم ـ المسئولية الاجتماعية"، باعتبارها منوطة بالشركات، وليست مجرد اجتهاد تطوعى فردى يتوقف فى أدائه من عدمه على الوازع الداخلى النابع من ضمير مدير الشركة أو أخلاقيات صاحب المشروع، وهو ما يستتبع تخويل المجتمع المدنى، ووسائل الإعلام سلطة الرقابة والمراجعة والمحاسبة فبمرور الوقت، أضحى البيزنس موضعا ـ للمساءلة ـ عن المحتوى الاجتماعى لدوره، وما يتمخض عنه نشاطه الاقتصادى من نتائج مستقبلية وآثار بعيدة المدى، بالنسبة للأجيال القادمة ولم يعد يكفى للحكم على الشركات الاستشهاد بقوائم الأرباح المالية، كمقياس وحيد (32) وهو ما انعكس على مجموعة من مواثيق الشرف، أصدرتها الشركات التى راحت تؤكد سعيها لمراعاة المضمون القيمى والأخلاقى يدا بيد مع الثروة الاقتصادية كأهداف محورية، وأن غايتها النهائية، وهى تعظيم العوائد الربحية Make money لا يجوز أن تضر باعتبارات التنمية المستدامة، أو تأتى على حسابها وهكذا، تراوحت الخبرة الغربية للأخذ بمبدأ المسئولية الاجتماعية ما بين العمل التطوعى الفردى الشخصى، والالتزام المؤسسى، وكثيرا ما جنحت للمزج بينهما صعود دور الشركات عابرة القوميات دلالات الخبرة اليابانية: (33) فى اليابان، اكتست الفكرة فى وقت مبكر ومنذ بدء تبنيها بطابع مؤسسى واضح، كما ترسخت مشروعيتها كمبدأ ملزم لجميع الشركات كبيرة، ومتوسطة، وصغيرة وبهذا توافر لها ركن حيوى من أركان الفعالية، وهو العمل المؤسسى المنظم، علاوة على الطابع الجمعى الذى يفترض تعزيز التعاون بين أكثر من شركة للعمل بروح الفريق فى توفير خدمات وإقامة مشروعات غير ربحية تعود بفوائدها على المجتمع ككل وبطبيعة الحال، فمثل هذا الجهد الجماعى المشترك يثمر عائدا يفوق كثيرا فى نفعه التنموى ما تفرزه الجهود الفردية المشتتة، المبعثرة فى كل اتجاه كالجزر المنعزلة، والتى قد تفقد بوصلتها، فيضيع أثرها هباء، دون تغيير يذكر (34) ردت الدراسات سر هذا التطور الفريد للشركات اليابانية، لكونه تم تحت تأثير جملة من العوامل المتضافرة داخليا وخارجيا فالفضل فى طرح فكرة المسئولية الاجتماعية، لأول مرة، ينسب لأصحاب العمل أنفسهم، وبمبادرة من إحدى منظماتهم ـ الجمعية اليابانية لمديرى الشركات التعاونية ـ National Assembly of Keizai Doyukai وهو ما اقترن بتفرد الخبرة اليابانية بالنموذج التشاركى (الإدماجى) للمشروعات الاقتصادية فتلك الجمعية هى التى أطلقت الدعوة للشركات للمساهمة فى تحرى الانسجام والتوافق بين الاقتصاد والمجتمع، مع انتقاد السعى لتحقيق الربح، باعتباره الهدف الأوحد لأى مشروع، أو الشغل الشاغل لصاحب رأس المال، وتأكيد ضرورة العناية بأهداف أخرى اجتماعية وتنموية تصب فى الصالح العام للمجتمع (وليست حتما على حساب مصلحة صاحب المشروع، بل ربما تأتى لصالحه أيضا) أما خارجيا، فقد عرض ازدياد حجم الاستثمارات المباشرة فى الولايات المتحدة الأمريكية، الشركات اليابانية الكبرى العاملة فى البيئة الأمريكية لضغوط عدد كبير من المنظمات غير الحكومية وجمعيات حماية المستهلك، وغيرها من هيئات المجتمع المدنى وجماعات الضغط (اللوبى) التى تزخر بها الساحة الأمريكية، وتفسح لها مكانة محورية ولما كانت الشركات اليابانية تفتقر فى البداية إلى خبرة تؤهلها للتعامل مع مثل هذه الضغوط، والتى كانت بمثابة ظاهرة جديدة عليها، إذ كادت البيئة اليابانية ـ الأم ـ تخلو من منظمات مماثلة، فقد اضطرت إلى تأسيس وحدات إدارية خاصة لدراسة تلك الظاهرة، واقتراح التوصيات بأفضل سبل التعامل معها، والرد على حملاتها وبمرور الزمن، تحولت الشركات اليابانية لاعتبار تلك الوحدات آليات مؤسسية للنهوض بمسئولياتها، وخصوصا فى مجال حماية البيئة، لاسيما مع نمو حجم استثماراتها الدولية وامتداد نطاقها لتغطية مساحات أوسع فى شتى أنحاء العالم، حتى أضحى لها إسهام اجتماعى، وبرامج تنموية فاعلة فى كثير من بلدان آسيا وإفريقيا (35) فتحت تلك الشركات اليابانية الكبرى، التى أخذت فى التوسع عبر حدود الدول القومية (مثل سونى ـ تويوتا)، ملف البيئة ومشكلاتها، لاسيما وأنها أعطت درسا مستفادا، وضربت مثالا على حسن التعامل مع الكوارث وسرعة التحرك وقت الأزمات، فأظهرت قدرة فائقة على مواجهة سلسلة من الكوارث الطبيعية، بدءا من الزلازل والبراكين، وانتهاء بتسونامى وتميزت عن الإجراءات البيروقراطية والتدابير الحكومية بالسرعة والمرونة فى التحرك الفورى (فيكفى أن يتخذ المدير قرارا بالتدخل)، فى حين يغلب البطء على التحرك الرسمى، ويستغرق صانع القرار فى أى نظام ديمقراطى برلمانى وقتا أطول، حيث يحتاج إلى المرور عبر آليات ومراحل متعددة (تشريعية وتنفيذية وبيروقراطية) تفرضها هياكل التعددية المؤسسية والسياسية قبل إصدار قراره ولذا، أثبتت الشركات والمشروعات فعالية أكبر من الحكومات فى إدارة الأزمات الطارئة والتصدى للحوادث (الكارثية) الملحة وتحت مفهوم الديمقراطية الصناعية، تأسس ـ اتحاد اليابان لأصحاب الأعمال ـ ليختص بالعلاقة بين أصحاب العمل والعاملين ويترجم حقوق المشاركة فى رسم ومتابعة السياسات العمالية والصناعية، ويهتم بالرعاية الصحية للعمال، ويدعم مواقفهم فى حالة نشوب نزاع مع السلطة حول سياسات الرعاية الصحية أو نظام المعاشات ومع هذا، يحرص الاتحاد على تجنب الدخول فى صدام مباشر مع الدولة، مما يشكل قيدا على دوره فى تبنى قضايا العمال (36) ومن ناحية أخرى، كانت منظمات حماية البيئة فى اليابان من أولى القوى الفاعلة فى المجتمع المدنى التى مارست الاحتجاج على تجاوزات الصناعات الضارة بالبيئة، وكانت وراء الكشف عن تسبب بعض الصناعات فى انتشار التلوث والأمراض واعتمدت العمل عبر محورين: الضغط على الحكومة والحزب الحاكم من أجل إصدار التشريعات البيئية، وفرض الضوابط القانونية الملزمة على الشركات بينما انصبت جهودها فى المحور الثانى على مخاطبة الشركات الصناعية ذاتها، واستطاعت إجبارها على دفع التعويضات المناسبة للضحايا المتضررين وبعد جولة من تبادل الاتهامات مع الشركات، التى وصفتها بترويج ادعاءات كاذبة، ومحاولة ابتزازها للحصول على تمويل، أثبتت تلك المنظمات مصداقيتها، عندما رفضت قبول عروض الشركات من التبرعات المالية (بهدف إسكاتها أو تخفيف لهجة الهجوم عليها)، رافعة شعار ـ فقراء لكن شرفاء"، واستمرت على عهدها فى رصد الأنشطة الملوثة للبيئة وتسجيلها فى تقاريرها بكل حيدة ونزاهة وبرغم ما تفرضه الحكومة اليابانية ذاتها عبر تشريعاتها من حدود مقيدة لمبالغ التبرعات التى تدفعها الشركات للمنظمات غير الحكومية غير الهادفة للربح، إذ وضعت لها سقفا منخفضا لا يتعدى 0125% من رأس المال أو 125% فقط من الأرباح السنوية، فقد شهد عقد التسعينيات صعودا فى حجم التبرعات وصل إلى قرابة أربعة ملايين ين سنويا، بعدما أثبتت هذه المنظمات فعالية فى مواجهة أزمة زلزال عام 1995 يمكن، فى ضوء ما سبق، استخلاص طبيعة العلاقة المتذبذبة بين الشركات الصناعية والمؤسسات الاقتصادية فى اليابان من جانب والمجتمع المدنى الذى يعمل فى مجالات البيئة والخدمات المجتمعية من جانب آخر (37)، وكيف أنها تراوحت بين الشد والجذب فتارة، يسودها الخلاف والتصادم، وتارة يسودها التعاون بيد أنها فى تطورها العام تتجه نحو مزيد من التقارب والشراكة فى مجال خدمة المجتمع كما تكشف الخبرة اليابانية عن دور حيوى مستمر للدولة التى أمسكت فى قبضتها، ولو بشكل غير مباشر، كافة خيوط التحكم فى مسار تلك العلاقة وتوجيهها ولذا، فتطور اتجاه قطاع الأعمال نحو الاعتراف بمبدأ ـ المسئولية الاجتماعية ـ وتعميمه على كافة الشركات، بغض النظر عن حجمها، كبيرا كان أو صغيرا، إنما جاء محصلة لجهود مشتركة لكل من الدولة ومنظمات المجتمع المدنى غير الربحية فى اليابان ـ * خبرة الأمير الوليد بن طلال (38): فى الميدان الثقافى للوليد بن طلال، علاوة على نشاطه الإعلامى عبر قنوات روتانا، التى تصنف فى إطار الإعلام الترفيهى مساهمات تصنف فى خانة العمل الاجتماعى والخدمة العامة التى تأخذ طابعا دوليا متصاعدا فى عصر العولمة، حيث افتتح مركزا للتفاهم الإسلامى ـ المسيحى فى جامعة جورج تاون، بوصفه رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة المملكة، وهى مؤسسة مستقلة (استقلالا تاما عن شركة المملكة القابضة التى يرأس الأمير الوليد مجلس إدارتها وتديرها الأستاذة منى أبو سليمان) وكان قد أعلن عام ـ 2005 عن تقديم هبة قيمتها 20 مليون دولار لصالح الجامعة بواشنطن لدعم توسعة المركز الذى يهتم بالدراسات الإسلامية وبالعلاقات بين الأديان، أخذا فى الاعتبار أنه بناء على تلك المساهمة، تم تغيير اسم المركز إلى مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامى ـ المسيحى وقد شهد عام 2008، وخلال نفس رحلته إلى واشنطن، تدشين الأمير مركز الأمير الوليد للتراث فى مقر اللجنة الأمريكية ـ العربية ضد التفرقة ADC وذلك عقب تبرعه عام 2005 بمبلغ مليونين ونصف مليون دولار لصالح اللجنة لتمويل شراء مقر دائم لها فى العاصمة واشنطن وكانت اللجنة قد سبق أن قدمت للأمير جائزة الإنجاز العالمى بمناسبة مرور 25 عاما على تأسيسها، وهو ما شكل مناسبة لإعلان الوليد عن تبرعه وفى السياق نفسه، قدمت المؤسسة تبرعا إضافيا بقيمة 135 ألف ريال لدعم مؤتمر يشجع الحوار بين الأديان فى واشنطن، والذى يقدم من خلاله برنامج الحرية الدينية وهدفه حماية حقوق الحريات الدينية لسكان واشنطن والمدن المجاورة، علما بأن المؤتمر المذكور قد تأسس عام 1978 بهدف دعم الحوار والتفاهم بين الأديان، وترسيخ قيم التماسك والعمل معا لدعم الوحدة الوطنية (المقصود تماسك الأمة الأمريكية) (39) علاقة العالم الإسلامى بالعالم المسيحى وبالولايات المتحدة، وتأكيد الحوار كمضمون ومحتوى لتلك العلاقة، بدلا من الصدام أو الصراع، غاية بالغة الأهمية والإلحاح فى حقبة العولمة، وفى ضوء الحساسية والحرج المتصاعد الذى يكتنف تلك القضية فى حقبة ما بعد 11 سبتمبر، والهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين تحت مظلة الحرب على الإرهاب ونشاط الوليد فى هذا المقام، وإن أتى فى سياق ـ رد الفعل"، إلا أنه عمل يتم على المستوى الحضارى للأمة ككل، ولا يندرج فقط فى إطار المعنى الضيق للمسئولية الاجتماعية، فهو لا يخلو، برغم مظهره الثقافى، من مقاصد شرعية وأهداف سياسية واقتصادية أبعد مدى تنوع النماذج العالمية رواج المبدأ والدروس المستفادة: أوردت مجلة ـ الأهرام الاقتصادى ـ فى تحقيق لها أسماء عدد من رجال الأعمال فى العالم الذين انخرطوا فى ميدان العمل الاجتماعى، كالملياردير الآسيوى لى كاشينج، وهو أغنى رجل فى هونج كونج، ويمتلك شركات اتصالات وعقارات، وقد تعهد بالتبرع بثلث ثروته للمؤسسة الخيرية التى أنشأها لتعمل فى مجالات الرعاية الصحية والتعليم (التركيز فى مراحل التعليم الأساسى والابتدائى يأتى على حساب وفى مقابل عدم الاكتراث بالجامعات ومراكز الدراسات والبحث العلمى) والخدمات الثقافية ورجل الأعمال الهندى أزيم برمجى، الذى خصص جزءا كبيرا من ثروته لدعم التعليم فى بلاده كما قدم أغنى رجل فى روسيا، رومان ابرامو فيتش، مليار دولار لبناء المدارس والمستشفيات فى إحدى مناطق روسيا الفقيرة وأصبح حاكما لها (40) وفى المكسيك، تبرع كارلوس سليم، صاحب أكبر شركات الاتصالات، بمليارات الدولارات فى مجالى الصحة والتعليم وفى تركيا، تبرع أوزوجين، مؤسس فاينانس بنك، بنسبة ثابتة تقدر بـ 2% من دخله الصافى شهريا منذ عام 2000 لبناء مدارس ابتدائية فى أحياء تركيا الفقيرة، وبهدف بناء مائة مدرسة بحلول عام 2010 وفى باكستان، أنشأ أغاخان مؤسسة باسمه ومركز باكستان للعمل الخيرى ـ Pakistan Centre for Philanthropy (PCP) الملحوظة الأولى الجديرة بالتنويه هى تلك العصامية التى ميزت هذا الجيل الجديد من رجال الأعمال، كملمح مشترك، إذ اجتمعت فيهم صفات رجل الأعمال بمعنى الكلمة من أكثر من ناحية، فراكموا ثرواتهم بكفاحهم وليس بالميراث والراصد لمجالات النشاط والاستثمار التى انخرطوا فيها، يسجل لهم أخذ المخاطرة والمبادرة والتجديد والابتكار، وهى أهم مقومات المنظم الناجح Entrepreneur بالمفهوم الكلاسيكى بيد أنه فى مقدمة الأسماء التى أعطت نموذجا براقا ومثالا رائدا هو محمد يونس، مؤسس ومدير بنك جرامين ببنجلاديش منذ عام ـ 1976، والذى اتجه لإقامة نوع مبتكر من الأنشطة الاجتماعية لمساعدة فقراء الريف على التخلص من مصيدة الفقر (41)، فكان وراء رواج فكرة ـ القروض الصغيرة ـ الميسرة بالحد الأدنى من الشروط وبدون ضمانات وانتشارها فى جميع أنحاء العالم كحل جذرى لمشكلات الفقر (ومنحها للمتسولين أملا فى تحسين ظروفهم) وعملا بمبدأ علمنى الصيد ولا تعطنى سمكة)، وحصل عن استحقاق على جائزة نوبل للسلام ورغم أنه رفض تصنيف البنك كشكل من أشكال المسئولية الاجتماعية، إذ يعتبره مشروعا اجتماعيا أصيلا وليس قسما فرعيا أو وحدة مكملة لمشروع اقتصادى بالأساس، فإن تجربة البنك أفرزت دروسا وخبرات متبادلة فى استطاعة رجال الأعمال الاسترشاد بها، وتكرارها (كل فى مجاله)، ويمكن للباحثين دراستها تحت عنوان ـ المسئولية الاجتماعية ـ وهكذا فقد تبين من حصيلة التجارب المتعددة أن المردود التنموى للنشاط الاجتماعى يحتاج لتعظيمه إلى مقومات وشروط أهم كثيرا من مجرد التمويل على أية حال، يفرق الدارسون بين اتجاهين فى هذا المجال، الأول ساد التجربة الأمريكية والأوروبية التى تبنت معيار ـ موقع العمل ـ Workplace Criteria كركيزة للمسئولية الاجتماعية، حيث تأخذ صورة وفاء المصنع أو الشركة أو الوحدة الإنتاجية باشتراطات الظروف الصحية فى مكان العمل، وتوفير ضمانات الأمان والأمن للعاملين، وتضع على العاملين فى المقابل التزاما بسرية وخصوصية المعلومات (سر التركيبة) وبمعايير الجودة فى الأداء ومع ارتفاع نبرة أنصار ملف (الجندر)، أضحت المساواة النوعية والفرص المتساوية Equality of Opportunity للعاملين ـ رجالا ونساء ـ من بين معايير تقويم الأداء لدى الشركات الاتجاه الثانى الغالب على الخبرة اليابانية يميل إلى وضع المساهمة فى حل مشكلات البيئة فى بؤرة الاهتمام كركيزة لاختبار المسئولية، ويتجه لاعتماد مدلول أوسع لها يخرج بها عن نطاق موقع العمل، سواء كان مصنعا أو شركة ليمتد إلى المنطقة أو الإقليم أو البيئة المحلية المحيطة، كما يشمل الوفاء باعتبارات الصحة والأمان للمستهلك، بوصفها قواعد صارمة (42) ومع استمرار التطور فى اتجاه الشركات الكبرى العالمية نحو التكتل (43) لتأسيس تحالفات استثمارية ضخمة، كان من الوارد أن تندمج الشركات اليابانية مع نظيراتها الأوروبية والأمريكية لبناء كارتلات عملاقة، وهو ما انعكس على مفهوم ـ المسئولية الاجتماعية ـ الذى تم تضمينه والنص عليه فى اتفاقيات الاندماج المبرمة، فاتجه ـ لا غرو ـ نحو مزيد من الاتساع على أية حال، فبرغم تباين الاتجاهات بشأن التعريف، فهى تكاد تتفق على جوهر واحد مفاده دمج فكرة المسئولية الاجتماعية فى صلب عملية الاستثمار ذاتها، بحيث لا يعمل المشروع (الشركة أو المصنع) من أجل تعظيم الربح وحده، أى انتظار العائد المادى، وإنما يدرج الأهداف الاجتماعية جنبا إلى جنب، وبالتوازى، مع أهدافه الاقتصادية، ويحتسب النجاح فيها كجزء لا يتجزأ من إجمالى مكاسبه (44) (تبنى معنى أوسع للعائد يشمل الجوانب الاجتماعية والبيئية) فالمسئولية تعدت دورها كمهمة تكميلية فى الشركات الخاصة، يقدم عليها أصحابها بحسهم الفردى وبدوافع أخلاقية، لتصبح جزءا لا يتجزأ واتجاها واضح المعالم محدد الأهداف يتم إدماجه (إدماج حقوق الإنسان أو حقوق العمال أو حقوق المرأة أو الطفل الخ) فى صميم برامج الشركة وفى قلب خططها التوسعية (السنوية) واستراتيجياتها المستقبلية، وبما تترجمه معالم الخريطة المؤسسية والهيكل الإدارى (بإنشاء فروع أو إضافة وحدات مخصصة للتنمية، بما يستتبع إعادة تصميم ورسم إدارى وهندسى للمشروع ذاته فيما يسمى بإعادة الهيكلة) المسئولية بهذا المعنى تختلف تماما عن أى مشروعات خيرية philanthropic منفصلة يقيمها رجل الأعمال على نحو مستقل بعيدا عن نشاطه الاقتصادى الأصلى عبر شركاته، بغرض تقديم مساعدات مالية أو عينية فى صورة تبرعات أو مبالغ يدفعها لآخرين، من باب الإحسان، أو التصدق عليهم، (أو كفارة)، كأن يتولى رجل الأعمال بنفسه تأسيس وإدارة مشروعات لتوفير خدمات لكبار السن ولحماية المرأة، وصحة الطفل، وغيرها من الفئات المستضعفة الهشة الأكثر احتياجا، خصوصا الشباب، ترمى بالأساس لتحقيق ـ التمكين ـ لهذه القطاعات المستهدفة كمدخل للتنمية المستدامة، من صورها: الشنط التموينية، والمواد الغذائية، وموائد الرحمن الرمضانية، والأدوية، والبطاطين والأغطية، والملابس والأدوات والحقائب المدرسية، والأجهزة المنزلية، وتجهيز العرائس وهى صور من النشاط الخيرى التطوعى الذى يتم فى صورة تبرعات غير منتظمة، لكنه قد يكتسب إطارا مؤسسيا منظما يضمن له الاستمرارية، كما فى حالة بنك الطعام الذى تأسس بمبادرة من عدد من رجال الأعمال المصريين بهدف محاربة الجوع وقد تطورت فكرة المسئولية الاجتماعية من شعار معنوى أدبى، يتحمله الفرد بصفته الشخصية، إلى التزام مؤسسى شبه قانونى يقع بالأساس على كاهل الشركات، ولذا فالمصطلح المستخدم فى اللغة الإنجليزية هو Corporate Social Responsibility (CSR) وهو مفهوم يتميز بالدقة والوضوح والانضباط فى تحديد مساحاته ومضامينه الدلالية، على عكس المفهوم المتردد فى الأدبيات العربية، حيث يجرى التعبير عنه باستخدام مصطلحات متعددة متباينة يشوبها الغموض فى تحديد جهات إسناد المسئولية والعلاقة بين أطرافها، فهو تارة ـ مسئولية القطاع الخاص"، وتارة ـ مسئولية رجال الأعمال ـ وإذا كان المفهوم فى حد ذاته لا يزال مثيرا للجدل حول محتواه وجدواه فى مجتمعات الغرب الرأسمالية المتقدمة (إذ يطعن الكثيرون فى مصداقيته)، فما بالنا بالمجتمعات ذات الاقتصادات ـ الانتقالية"، التى تعيش حالة ـ سيولة"، تدور فيها أغلب ملفات التنمية بأبعادها وإشكالياتها المتقاطعة فى دوائر الالتباس والخلط، والتى لم تبلور بعد تعريفا محددا لفئة ـ رجال الأعمال"، ولم يظهر فيها شكل مكتمل للقطاع الخاص بيد أنه فى زمن العولمة، ومع تنامى دور الشركات عابرة القوميات، لم يعد لهذه المقارنة التى تميز بين دول متقدمة فى الشمال وأخرى نامية فى الجنوب مبرر يسوغ اعتبارها حاجزا حاسما أو خطا حادا فاصلا، وأضحى لمفهوم مسئولية الشركات دلالات أوسع غيرت جذريا المقصود بـ البيئة المحيطة"، لتتخطى نطاق الإقليم أو حدود البلد الواحد، وجعلت الخدمة المراد تقديمها، تتوجه للمجتمع العالمى بأسره الذى بات، مع سقوط حواجز الزمان والمكان، يصلح كمجال حيوى لاختبار صلاحية أى فكرة ومدى تطبيقها ولذا، فإن الشركات الدولية عندما تكون بصدد عقد اتفاقيات للاندماج والتوسع أو افتتاح فروع جديدة لها، مع غيرها من الشركاء المحليين، يكون فى استطاعتها تبنى مفهوم بعينه ـ للمسئولية"، وتضمينه بين بنود واشتراطات الاتفاق وهى من خلال هذا الدور تسهم فى صياغة وبلورة ـ المفهوم ـ وتحديد دلالاته، وتوسيع أو تضييق مضامينه، ناهيك عن عولمته وبقدر التسارع فى وتائر العولمة بشتى أبعادها، وبوجهيها المعروفين من قيود وتحديات وفرص وإيجابيات، بقدر تطور المسئولية الاجتماعية من مجرد أطروحة فكرية مثيرة للجدل، ترتهن بطبيعتها بمبادرات يأخذها الأفراد طوعا، إلى قاعدة قانونية ملزمة، تتضمن حزمة مترابطة ومتوازنة من الحقوق والواجبات والأدوار المتبادلة، ولتغدو محلا للاتفاق والتشارك والتقاسم فيما بين أضلاع مثلث التنمية: السوق والدولة، والمجتمع فالبعض من رجال الأعمال يقدم على هذه الأعمال مضطرا مجبرا وتحت الضغط والتهديد، وهو يؤمن فى قرارة نفسه بأنه يتعرض للابتزاز،سواء من جانب الدولة أو المجتمع المدنى (القطاع الثالث غير الربحى) Non ـ Profit sector أو الصحافة ووسائل الإعلام، وأنه يقدم لهؤلاء الكسالى الذين لم يكافحوا ويجتهدوا ويعملوا جزءا من النجاح الذى حققه بعرقه، وهو ليس من حقهم، بل منحة منه من باب الإحسان أو حتى من باب السمعة والرياء، ولأغراض الدعاية لنفسه والتسويق لمشروعاته، أو هى محاولة لتجميل الصورة الذهنية السائدة وتحسين النظرة لرجال الأعمال، واستعادة الثقة أو بنائها فى وسط البيزنس (وهو عادة موضع اتهامات وشكوك)، سواء فى أعين الدولة وصناع القرار، أو فى نظر الجمهور والرأى العام، أو حتى فى نظر النخب من المثقفين فثمة حاجة لمد جسور الثقة أو إعادة بنائها بين الأطراف الثلاثة، خصوصا عقب الفضائح المالية أو الشائعات الأخلاقية التى تؤكد ما يحوم حول بعض أصحاب المشروعات من شبهات فساد، أو إضرار بالصالح العام وبالطبع، فأى من تلك الاعتبارات والدوافع (الشخصية والدعائية) ذات البعد التفاخرى الاستعراضى ـ كسلوك منافق ـ window ـ dressing ـ Showy ـ hypocritical لا يمت بصلة لمحتوى الرسالة الإنسانية التى تمثل المغزى الحقيقى وراء ترسيخ مبدأ ـ المسئولية الاجتماعية ـ وعندما تكون الدعاية هى الغاية المحركة، ستتجه أغلب تبرعات رجال الأعمال لمجالات النشاط التى تخدم هذا الهدف (كالمهرجانات الفنية مثلا) ولن تحظ قطاعات أخرى أهم كثيرا، مثل التعليم العالى والمعرفة والبحث العلمى، بنفس الرعاية والاهتمام، ما دامت بعيدة عن الأضواء وبمنأى عن الصخب الإعلامى لقد فتح هذا النقاش الباب للتساؤل حول أهمية الإعلان عن العمل الاجتماعى، حيث درجت كثير من الشركات فى بلدان الخليج على إحاطة ألوان النشاط الخيرى بالسرية والكتمان، وارتبط ذلك بتنامى الشكوك الدولية والضغوط الناجمة عنها، والتى مارستها الدول الغربية حول ذهاب بعض ـ أموال الخير ـ لتمويل منظمات تمارس وتدعم الإرهاب، ولذا أضحت ـ الشفافية ـ فى هذا الشأن لازمة وبات الإعلان شرطا واجبا (45) داخليا، ومحليا، نحن فى مصر فى مسيس الحاجة فى اللحظة الراهنة لإسهام رجل الأعمال فى بناء الاقتصاد الوطنى عبر الاستثمار والإنتاج والتشغيل فالتنمية الاقتصادية يجب أن تكون لها الأسبقية على أجندة رجل الأعمال، فهذا هو ميدانه الذى يثبت فيه نفسه أولا فإذا ما تحقق له ذلك، بات من المشروع البحث عن رجل الأعمال الإنسان والمواطن الصالح "المسئول اجتماعيا"، والتساؤل حول دوره وإسهاماته فى عملية التنمية الشاملة أما رجل الأعمال "السياسى" أو"المسيس"، فقد كشفت التجربة الواقعية، عبر الممارسات الانتخابية، والآليات البرلمانية، والحزبية، عن أنه آخر ما نحتاج إليه فى ظل استمرار غيبة ركائز الديمقراطية الحقيقية، وعلى رأسها المجتمع المدنى الذى تتوافر له مقومات الاستقلالية وشروط النضج فدخول رجال الأعمال عالم السياسة لم يحسن الأوضاع، بل زادها سوءا، لاسيما وأنه تم استخدامه أحيانا كبديل لدورهم الاجتماعى، وعوضا عن النهوض بمهامهم الأصلية الإنتاجية والتنموية (الأكثر إلحاحا) يتجلى خلط الأوراق فى السيناريو الآتى فبدلا من تلبية مطلب خلق فرص عمل للشباب من خلال تشغيلهم فيما يملكونه ويديرونه من مشروعات وشركات، وهو واجب على المستثمرين، إذا بهم يطرحون "الوعد" بالقضاء على البطالة فى غمار حملات الدعاية لهم كمرشحين فى الانتخابات، والتعهد بتشغيل أبناء الدائرة عند الفوز بعضوية البرلمان، أى تحويل خدمة التشغيل إلى رشوة تستخدم لإفساد الانتخابات ولكسب صوت الناخب، وضمان تأييده مقابل "الوعد" بمنحه فرصة عمل، التى هى من حقه أصلا.
الهوامش:
1) د ناهد عز الدين، المجتمع المدنى فى اليابان الدور الداخلى والخارجى، فى د هدى ميتكيس ونيللى كمال الأمير (محررتان)، النظام السياسى اليابانى، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة،2006)، ص ص 209 ـ 253.
2) ـ What is Corporate Social Responsibility for?, World Bank Report, 2007 ـ http: //PSDBLOGWorld Bankorg/PSDBLOG/200707/html.
3) مطالب لقطاع الأعمال بتوفير فرص العمل، جريدة الشرق الأوسط، العدد 10317، 26 فبراير 2007 ـ http: //wwwasharqalawsatcom/detailsasp?section=6&issueno=10317&article=408063&feature=.
4) مجلة عالم العمل، على الموقع الإلكترونى ـ http: //wwwwomengatewaycom/arwg/e ـ +library/features/Ejtema3ya/liabilityhtm.
5) World Bank and International Finance Corporation Race to the Top: Attracting and enabling global sustainable ـ business ـ Survey Report ـ (2003).
6) The ILO ـ s Tripartite Declaration of Principles concerning Multinational Enterprises and Social Policy of 1977 (MNE Declaration) and the OECD Guidelines for Multinational Enterprises Guidelines of 1976.
7) William H Meyer Book Review of ـ Winston, Morton Emanuel, Human Rights and International Political Economy in ـ Third World Nations: Multinational Corporations, Foreign Aid, and Repression , (Westport, Connecticut: Praeger, 1998) , Human Rights Quarterly, (Volume 21, Number 3, August 1999) , pp 824 - 830.
8) Barbara Kiviat, ـ Bill Gates writes about creative capitalism Here ـ s the back ـ story ـ 1st August, 2008 in: ـ http: //timeblogcom/curious_capitalist/08/2008/bill_gates_writes_about_creatihtml ـ 9) http: //wwwnextbillionnet/blogs/24/01/2008/bill ـ gates ـ calls ـ for ـ capitalism ـ that ـ serves ـ the ـ poor.
10) انظر: بيل جيتس للأهرام: ندرس مع الحكومة المصرية مشروعا رائدا لإقامة واد للتكنولوجيا فى مصر"، جريدة الأهرام، 10 فبراير 2005.
11) مايكروسوفت للبرمجيات أفضل الشركات سمعة، انظر: موقع الهيئة العامة للاستعلامات، 1 فبراير 2007 ـ http: //wwwsisgoveg/Ar/EgyptOnline/Economy/000001/htm ـ 12) بيل جيتس للأهرام، مرجع سابق.
13) Bill Gates to focus on charity , A News item from Business Respect, Issue Number 97, 16 June 2006 ـ http: //wwwmallenbakernet/csr/CSRfiles/pagephp?Story_ID=1657.
14) Barbara Al Hammond, Bill Gates Calls for Capitalism That Serves the Poor , Miscellaneous, 24 January, 2008.
15) Landov, The Meaning of Bill Gates: As His Reign at Microsoft Comes to an End, So Does the Era He Dominated , The Economist, 26 June 2008.
16) The world is not getting better fast enough, and it ـ s not getting better for everyone.
17) Howard Bowen, Social Responsibilities of the Businessman, (Harper & New York, 1953).
18) John Markoff, Herald Tribune, 27.
28 ـ June 2008 http: //dealbookblogsnytimescom/24/01/2008/bill ـ gates ـ social ـ philosopher/.
19) Bill Gates: Social Philosopher , Davos, January 24, 2008.
20) http: //usinfostategov/xarchives/displayhtml?p=washfile arabic&y=2007&m=August&x=20070808161558aaywalhsib ـ le05186383.
21) بيل جيتس، الأهرام، مرجع سابق.
22) Eric Green, Corporate Social Responsibility Seen as Smart Business Move , USINFO 7 August 2007.
23) The Economist, What is Corporate Social Responsibility For? 3, July, 2008, 24) شريفة عبدالرحيم، كيف يخطط أثرياء مصر للتصرف فى ثرواتهم؟ الأهرام الاقتصادى، العدد 126، 14 يناير 2008 ـ 25) Milton Friedman, The Social Responsibility of Business is to Increase its Profits , The New York Times - Magazine, September 13, 1970 - 26) Milton Friedman, Capitalism & Freedom, 1962.
27) Foqia Sadiq Khan and Zehra Aftab, ـ Towards greater corporate social responsibility ـ http: //usinfostategov,.
28) هبة السيد، مجلة صانعو الحدث، العدد 151، 1 نوفمبر 7002 ـ http: //saneoualhadathnaseejcom/Detailasp?InNewsItemID=253330.
29) د عبدالله صادق دحلان، المسئولية الاجتماعية للمؤسسات، مجلة عالم العمل، مرجع سابق.
30) د أمانى قنديل، المرشحون رجال أعمال ورجال أعمال، الأهرام، 8 نوفمبر 2005، ود ناهد عز الدين، خريطة المرشحين فى انتخابات مجلس الشعب 2005، فى د كمال المنوفى (محرر)، انتخابات مجلس الشعب 2005، القاهرة: برنامج الديمقراطية وحقوق الإنسان، مؤسسة كونراد أديناور، 2006) ص 65 ـ 108.
31) مايكروسوفت للبرمجيات أفضل الشركات سمعة، الهيئة العامة للاستعلامات 1 فبراير 2007 ـ http: //wwwsisgoveg/Ar/EgyptOnline/Economy/000001/htm.
32) Marwa Al daly, Private Philanthropy in Egypt Institutionalized Private Phlinanthrorpy as Mechanism for ـ Sustainable Community Development, MA thesis American university in Cairo, Cairo 2000 p 72
33) Kee Boem Kim, ـ Finding an Entry Point for the Promotion of Corporate Social Responsibility in Small and Medium Sized Enterprises in Japan , JILPT, 2005 ـ 34) نور المازنى، رجال أعمال مصر دور حقيقى أم دعائى؟، إسلام أون لاين، 23 يوليو 2008 ـ wwwislamonlinenet/arabic/economics/11/2004/article11shtml.
35) Robert Pekkanen, After the Developmental State: Civil Society in Japan, Journal of East Asian Studies, (special issue: After the Developmental State in East Asia? Joseph Wong guest editor, vol 4, Num 3, Sept, Dec , 2004), p 365 - Yukie Osa, The Role of Japanese NGO ـ s in the Pursuit of Human Security: Limits and Possibilities in the ـ Field of Refugees , Japan Forum, 2003, pp 255, 256 - 36) نيللى كمال الأمير، العلاقة بين رجال الأعمال والنظام السياسى فى اليابان، فى د هدى ميتكيس ونيللى كمال الأمير (محررتان)، النظام السياسى اليابانى، مرجع سابق، ص 271 ـ 37) د ناهد عز الدين، المجتمع المدنى فى اليابان، مرجع سابق، ص ص 214 ـ 220،221،229 ـ 38) مجلة الموعد، العدد 2341، مايو 2008، ص31 ـ 39) المرجع السابق.
40) Nina Kolikova, ـ Social Responsibility of Russian Businesses , RIA Novosti JRL 8472 - 29 November, 2004.
41) http: //wwwameinfocom/ar 97287html, 20 - 4 2008.
42) Ito Peng, Postindustrial Pressures, Political Regime Shifts and Social Policy Reform in Japan and South Korea, ـ in ـ , Journal of East Asian Studies, (Special Issue: After the Developmental State in East Asia? Joseph Wong ـ guest editor, Vol 4, Num 3, Sept ـ Dec 2004) , pp 363 ـ 388.
43) Peter Muchlinski, Multinational enterprises and the Law, (Oxford: Blackwell, 1995).
44) حديث مع الدكتور عبدالله بن مرعى بن محفوظ، أحد كبار المستثمرين، والعضو المنتدب، ونائب رئيس مجموعة مرعى بن محفوظ وشركاه، وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية فى جدة، فى: جريدة الرياض، السبت 26 جمادى الأولى 1429هـ، 31 مايو ـ 2008، العدد 14586 http: //wwwalriyadhcom/31/05/2008/article346919html .
45) جريدة عكاظ، العدد 2576، 6 يوليو 2008 http: //wwwokazcomsa/okaz/osf/20080706/Con20080706207725htm