Share |
ابريل 2007
1
أحلام... مطربة الصبر
المصدر: أحوال مصرية

دأب الكتاب والنقاد ممن يهتمون بالغناء وشئونه على إلحاق بعض الألقاب بأسماء نجوم الغناء ونجماته، فمن هذه الألقاب التى حفلت بها مناسبات الحديث عن الغناء وأهله نذكر الآتي: كوكب الشرق- مطرب الملوك والأمراءـ بلبل الشرق كروان الشرق- العندليب الأسمر مطرب الشعب- موسيقار الكلمات، وغيرها كثير، وأيا ما كانت قوة الحيثيات وموضوعية الاختيار لهذه الألقاب، فإن أحداً ممن أطلقت عليهم هذه الألقاب لم يكن جديراً بما ألحق باسمه من لقب أو ألقاب كجدارة فاطمة النبوية محمود السيد الملاح التى عرفت باسم أحلام بلقب "مطربة الصبر".
من ميت غمر إلى القاهرة ولدت فاطمة النبوية- على أرجح الاحتمالات - بمدينة ميت غمر (من أعمال محافظة الدقهلية) فى منتصف العشرينيات من القرن العشرين، وهو تاريخ يخالف تماماً ما ردده جميع من كتبوا عنها فى حياتها أو بعد رحيلها، وسوف ترد حيثيات القول بهذا التاريخ فى سياق المقال الحالى، كان والدها محمود السيد الملاح منتميا لأسرة من صغار ملاك الاراضى الزراعية، تلك الطبقة الاجتماعية التى ظهرت إبان حكم أسرة محمد على، ثم نمت تلك الطبقة مع ثورات الشعب الكبرى فى عامى 1882 م و 1919م، وقد عرف عن الكثيرين من رجال هذه الطبقة حب الفنون والإقبال على تعلمها أو الإلمام بمبادلها وبالأخص فن الغناء، حيث أثر عن والد فاطمة النبوية إقامته لسهرات أسبوعية يدعو لحضورها فى منزله الاصدقاء من محبى الطرب والموسيقى (الجيل 1952/3/17م)، أسهمت هواية الوالد بقسط وافر فى تنمية مواهب الابنة التى تفتحت عيناها وأذناها على إبداعات الرواد من أهل الغناء من أمثال عبده الحامولى ومحمد عثمان وسيد درويش وغيرهم، بالإضافة إلى روائع المعاصرين من كبار أهل الطرب من أمثال أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب والتى كانت تتردد فى تلك السهرات، وأكمل عشق الصغيرة فاطمة النبوية لصوت الشيخ محمد رفعت الجهد المطلوب لتنمية موهبتها الصوتية، حيث أكسبها حفظها لكثير من أجزاء القرآن الكريم وترديدها لآياته بطريقة الشيخ محمد رفعت القدرة على توضيح الحروف والتمييز بينها وإظهار التشديدات وإبانة الغنات وتفخيم ما يجب تفخيمه وترقيق ما يطلب ترقيقه إلى غير ذلك من أساسيات تجويد القرآن، فاكتمل لصوتها بذلك عنصرا الإعداد الجيد وهما التدرب على النطق الصحيح وإتقان التراث وحفظه، وسرعان ما شاعت بين الأهل والجيران فى ميت غمر أخبار صوت الصغيرة فاطمة المنطلق بأغنيات أم كلثوم، انطلقت تلك الأخبار بسبب تلبية الصغيرة فاطمة لطلب كل من يريد أن يستمع إلى صوتها الجميل، وعندما بلغت تلك الإخبار مسامع الأب، كان الضرب مقابلاً لها، مما جعل الصغيرة فاطمة تقلع عن تلبية رغبات جمهورها الناشئ فى سماع غنائها، وإن كان الأب لم يمانع فى اشتراكها بالغناء فى الحفلات المدرسية (الإذاعة. العدد 1067، 1955/8/27م- والعدد 1114، 1956/7/21).
شاءت الأقدار أن يلعب أحد مستمعى صوت الصبية فاطمة الملاح بمدينة ميت غمر الدور الأهم فى توجيه موهبتها وتغيير حياتها، حدث ذلك عندما استمع الطبيب رياض أبو سيف حكيمباشى (أى مدير بمفردات أيامنا) مستشفى ميت غمر العام إلى صوت الصبية فاطمة الملاح وهى تغنى لزوجته، يومها شدت فاطمة بأغنية أم كلثوم المشهورة آنذاك: "يا للى جفاك المنام" (آخر ساعة 1956/9/26م)، كانت الأغنية وهى من قالب المونولوج وقد نظمها أحمد رامى ولحنها محمد القصبجى من مقام النهاوند وتغنت بها أم كلثوم لأول مرة فى عام 1931 م، فأعجب الطبيب بصوت فاطمة وشجعها على الاستمرار فى الغناء، مع اقتراحه عليها بان تلتحق بمعهد الموسيقى الملكى فى القاهرة لصقل موهبتها، ولما كانت الجيرة تربط أسرة الطبيب وأسرة فاطمة بوشائج الصداقة والمودة، فإن الطبيب أفلح- وبعد جهد وتصميم- فى إقناع والد فاطمة على إلحاقها بمعهد الموسيقى الملكى، وهكذا شهد أحد الأيام فى أواخر عقد الثلاثينيات انتقال أسرة محمد السيد الملاح إلى القاهرة، حيث اتخذت الأسرة مسكناً لها بحى الداودية القريب من شارع محمد على فى قلب القاهرة القديمة، ولتذهب فاطمة بعد ذلك برفقة والدها وصديقه الطبيب رياض أبو سيف إلى العالم الموسيقى الكبير الدكتور محمود الحفنى، والذى عمل على إلحاق فاطمة بمعهد الموسيقى الملكى، ولتكتمل بذلك للصبية الموهوبة أسس التكوين الصحيحة واللازمة لإعداد صوت قادر على النزول إلى معترك الغناء فى أزهى سنواته خلال القرن العشرين المنصرم.
البداية وأخطاء الكتابات التاريخية أتاحت محافل القاهرة الموسيقية الفرصة للموهوبة الصغيرة القادمة من ميت غمر لولوج عالم الغناء والالتقاء بالمشاهير من أهله، كان معهد الموسيقى الملكى هو أول هذه المحافل وأهمها، ويأتى بعد ذلك من حيث الترتيب الزمنى كل من معهد الاتحاد الموسيقى ونقابة الموسيقيين وفرقة الأنغام الذهبية، حيث أسهم كل محفل من هذه المحافل الأربعة بدور فى إعداد صوت فاطمة الملاح وإطلاقه فى سماء الغناء المصرى التى لم تكن تحتضن أيامها إلا النجوم والكواكب، فقد انتظمت فاطمة بالفرع المدرسى لمعهد الموسيقى الملكى، ذلك الفرع الذى رأسه مصطفى بك رضا منذ إنشائه فى عام 1921، حيث تلقت هناك علوم الموسيقى والغناء على أيدى مجموعة من كبار الموسيقيين من أمثال مصطفى بك رضا وصفر بك على ومحمود رحمى وغيرهم، وفى معهد الاتحاد الموسيقى الذى أسسه شيخ الموسيقيين إبراهيم شفيق فى ديسمبر من عام 1940 م، شاركت فاطمة الملاح فى الحفلات الغنائية التى كان يقدمها الدارسون فى المعهد من مطربين وعازفين، وقد أتاح لها اختلافها إلى نقابة الموسيقيين فرصة تدريب صوتها وإسماعه لبعض مشاهير الموسيقيين، مما كان له أكبر الأثر فى رسم مسار مستقبل صوتها فى عالم الغناء و كما سنعرف فى سياق هذا المقال، وأما فرقة الأنغام الذهبية. فقد لعبت الدور الأكبر فى تقديم صوت فاطمة الملاح إلى جمهور الغناء.
تكونت "فرقة الأنغام الذهبية" فى عام 1938 م من مجموعة من طلبة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) برئاسة عبدالحميد توفيق زكى، كان الهدف من إنشاء الفرقة- و كما تحدث بذلك مؤسسها- هو جمع هواة الموسيقى من طلبة الجامعة، و ذلك لتنظيم شئون تلك الهواية وتنميتها ومحاولة الاستفادة منها فى خلق لغة موسيقية وغنائية جديدة تختلف عن السائد فى سوق الغناء آنذاك، اتخذت الفرقة لنفسها وعند تأسيسها اسم "الرابطة الموسيقية للجامعة"، ثم تغير الاسم بعد أن امتد نشاطها إلى الإذاعة فأصبح "فرقة الأنغام الذهبية"، و قد جعلت الفرقة - التى كانت تقدم إنتاجها بالإذاعة عبر ما يسمى "ركن الأغانى الخفيفة"- من أهدافها نقل بعض الأغنيات الغربية إلى اللغة العربية، بالإضافة إلى اعتماد تقنيات التوزيع الموسيقى وتعدد التصويت واستخدام بعض الإيقاعات الغربية كالتانجو و الرومبا والفالس فيما تقدمه من أعمال (عبدالحميد توفيق زكى المعاصرون من رواد الموسيقى العربية، ص90 - 96).
استمع جمهور الإذاعة المصرية إلى صوت فاطمة الملاح للمرة الأولى فى مساء يوم الاثنين 1940/9/9م، ليلتها اشتركت فاطمة الملاح مع أفرقة "الأنغام الذهبية" فى تقديم برنامج من الحفلات الغنائية والموسيقية، وقد نوهت مجلة "الراديو المصرى" عن ذلك البرنامج بقولها.
ضمن برنامج الأسبوع حفلات يوم الاثنين الطريفة، التى تجمع بين القطع الموسيقية الموزعة على النمط الحديث مما يلذ سماعه لهواة (الأوركسترا)، و بين الأغانى الراقصة الخفيفة التى تضم قطعة من مشهورات ما يغنيه ممثلو الأفلام الأوروبية، و قد وضع لها نص عربى يطابق اللحن الأصلى ولا يخرج عليه، مع الأمانة فى التعبير عن المعنى المفاهيم فى الفيلم، وقد ضمت هذه الحفلات فضلاً عما تقدم حفلة أناشيد وطنية بلغ تأليفها وتلحينها درجة بعيدة من القوة "الراديو المصرى: العدد 286، 1940/9/7م، ص 8)، وقد أرفقت مجلة "الراديو المصرى" بحديثها المشار إليه هنا عن برنامج "فرقة الأنغام الذهبية" لليلة الاثنين 1940/9/9م صورا ثلاث، كانت أولى الصور لفاطمة الملاح، واحتلت الصورة الركن الأيسر الأعلى للصفحة الثامنة من عدد المجلة المشار إليه، ووضعت المجلة تحت الصورة التعليق التالى. "أحلام استمع إليها بين الساعة 7.55 والساعة 8.10 مساء الاثنين فى هذا البرنامج الشيق"، لذلك يمكني القول بأن فاطمة الملاح اتخذت لنفسها اسماً فنياً أو مستعاراً منذ المرة الأولى لظهورها فى دنيا الغناء، ولعل السبب فى ذلك يرجع إلى والدها وأسرتها، حيث ذكرت فاطمة فى أكثر من مناسبة أن والدها كان أشد المعارضين لاحترافها الغناء، وأما الصورة الثانية بالصفحة الثامنة من العدد (286) من مجلة "الراديو المصرى" فقد وضعت إلى يمين صورة أحلام وأدنى منها قليلاً، كانت تلك الصورة لقائد الفرقة عبدالحميد توفيق زكى، بينما احتلت الصورة الثالثة الثلث الأدنى من الصفحة، كانت الصورة الثالثة للمطرب الكبير إبراهيم حموده وهو يقف مستنداً إلى بيانو يجلس للعزف على مفاتحه عبدالحميد توفيق زكى، بينما يحيط بإبراهيم حمودة أعضاء الفرقة من الشابات والشبان، يتبقى هنا أن نذكر ما غنته أحلام فى إذاعتها الأولى، وهو ما أشار إليه تنويه مجلة "الراديو المصرى" السابق ذكره بالجملة التالية. "قطعة من مشهورات ما يغنيه ممثلو الأفلام الأوروبية"، جاءت الإشارة الوحيدة حول ما تغنت به أحلام فى إذاعتها الأولى بمقال. "تلميذة أسمهان و مطربة العطارين" ، والذى ذيل بتوقيع كل من غادة زهيرى وحمدية عبدالغنى ونشر بعدد مجلة "الكواكب" الصادر فى 1997/5/27م، قالت الكاتبتان فى المقال الآتي عن أغنية أحلام الأولى: "وبدأت أحلام رحلتها مع الغناء عام 1948 م، حيث غنت أغنية المطربة الأمريكية ديانا دربن التى كانت ذائعة الصيت فى ذلك الوقت وهي أغنية (أحب أن أصفر)" ، فإذا ما نحينا جانباً الخطأ فيما ذكرته الكاتبتان عن تاريخ بداية أحلام، لأن صحة ذلك التاريخ كما أثبتنا فى سياق هذا المقال هى 1940 م وليس 1948 م، و أما الأغنية التى قدمتها أحلام فى رحلتها الاولى مع فرقة الأنغام الذهبية فقد كانت هى بالفعل أغنية "أحب أن أصغر" I Love to Whistle و قد أدتها المطربة و الممثلة الأمريكية ديانا دربن Deanna Durbin فى فيلم "متيم بالموسيقى" Mad about Music و هو من إنتاج عام 1938 م، وقام عبدالحميد توفيق زكى بترجمتها إلى العربية ليتوافق نصها العربى مع لحنها المعروف ولتتغنى بها أحلام كمأول أغنية لها.
يتبقى هنا من المعلومات التى باحت بها الصفحة الثامنة من العدد رقم (286) من مجلة "الراديو المصرى" أهمها على الإطلاق، وهو ما تنطق به الصورة المنشورة بتلك الصفحة لفاطمة الملاح أو لأحلام كما ستعرف من بعد تاريخ صدور ذلك العدد من المجلة، فالصورة المنشورة لأحلام فى تلك الصفحة تبين للقارئ شابة لا يقل عمرها- عند نشر الصورة- عن ستة عشر عامة بحال من الأحوال، وربما يكون عمر صاحبة تلك الصورة أكبر من ذلك بعام أو عامين على الأقل، مما يستدل منه المتأمل للصورة أن تاريخ ميلاد صاحبتها يعود إلى منتصف عقد العشرينيات (حوالى عام 1925 م) أو قبله بقليل، فمن أين جاء معظم من تحدثوا عن أحلام بمقولة أنها من مواليد عام 1933 م، فقد قال بذلك الكاتب والفنان محمد قابيل فى عدد مجلة "أكتوبر" الصادر فى 1997/5/25م، وفى كتابه "موسوعة الغناء المصرى فى القرن العشرين"(طبعة "سلسلة تاريخ المصريين": ص 39)، وقالت بذلك وبشكل غير مباشر كاميليا كمال الدين فى عدد مجلة "صباح الخير" الصادر فى 1989/11/30م، حيث ذ كرت الكاتبة أن أحلام. "غنت (القمح الليلة) لعبدالوهاب و عمرها ثلاثة عشر عاماً"، فإذا علمنا أن أحلام اشتركت مع الموسيقار محمد عبدالوهاب فى أداء أغنية "القمح" بفيلم "لست ملاكاً" و الذى بدأ عرضه الأول فى 1946/10/28م، فإن ما قالته كاميليا كمال الدين فى عدد مجلة "صباح الخير" المشار إليه يعنى وبوضوح أن ميلاد أحلام يرجع إلى أحد أيام عام 1933 م!، وحده المؤرخ الفنى وجدى الجافى بين من تحدثوا عن أحلام الذى خرج بقول مختلف وأقرب إلى الحقيقة، حيث ذكر فى مقال له بعنوان "مطربة العبر" فى عدد 2006/5/21م من صحيفة "الأخبار" أن أحلام ولدت: "فى أواخر العشرينيات بالقرن الماضى"، إن تلك الأخطاء المتصلة بتاريخ ميلاد أحلام ربما تعود إليها، شانها فى ذلك شأن النجوم وعلى الأخص النساء منهن، حيث دأب جميع النجوم- رجالاً قبل النساء- على تحريف تاريخ ميلادهم الحقيقى، بغية خصم بضع سنوات من أعمارهم، حيث يسهم ذلك الخصم فى إبقائهم لأطول فترة ممكنة فى مرحلة الشباب أو قريبة منها، وقد ساهمت أحلام فى تلك الأخطاء المتصلة بتاريخ ميلادها، عندما ذكرت للكاتب الصحفى جليل البندارى فى حديث نشر بعدد 1961/11/1م من مجلة "آخر ساعة"، أنها تغنت باغنية "القمح" أن فيلم "لست ملاكاً" وهي فى السادسة عشرة من عمرها، أى أنها وطبقاً لقولها ذلك من مواليد عام 1930 م.
الأغنيات الأولى انقضت أربعة أشهر وبضعة أيام بعد مشاركة أحلام فى برنامج "فرقة الأنغام الذهبية" ليوم الاثنين 9/9/1940 م، قبل أن تقدم أغنيتها الإذاعية الثانية فى العاشرة إلا عشر دقائق من مساء الأربعاء 1941/1/15م، كانت تلك الأغنية هى مونولوج "سمير القلب" من تأليف إسماعيل صبرى ومن ألحان عبده قطر، ولسنا نعلم هل كان إسماعيل صبرى مؤلف الأغنية هو الشاعر المعروف إسماعيل باشا صبرى أم هو شاعر غنائى آخر يحمل نفس الاسم؟، ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الصوت الغنائى الثانى الذى شارك أحلام الغناء فى تلك السهرة هو المطرب الكبير إبراهيم حمودة، حيث تغنى إبراهيم حمودة فى العاشرة و النصف من سهرة تلك الليلة بأغنية "خنت العهد"، و التى كانت من ألحانه وتأليف على شكرى، إن فى استعادة أسماء البعض من مطربى و مطربات ذلك العهد ما يعطى صورة حقيقية لقارئ اليوم عن حجم المنافسة التى واجهها صوت المطربة الناشئة- آنذاك- أحلام عندما انطلق صوتها الجميل خلال العصر الذهبى للغناء المصرى، كانت هناك أيامها أصوات كل من. أم كلثوم- محمد عبد الوهاب- أسمهان- فريد الأطرش- فتحية أحمد- إبراهيم حمودة- نجاة على- محمد بخيت- حياة محمد- محمد عبدالمطلب - رجاء عبده- عبدالغنى السيد ونادرة، إلى آخر طابور طويل من الأصوات المقتدرة والمتميزة والتى لا تعرف العيوب أو التقليد طريقاً إليها، وبالرغم من ذلك خطف صوت أحلام الأسماع بأدائه الهادى والمميز عندما شدت بأغنيتها الإذاعية الثالثة، ونعنى بتلك الأغنية الطقطوقة الشهيرة "الدنيا فى إيدى"، والتى كانت من نظم الدكتور سعيد عبده ومن ألحان الموسيقار المبدع رياض السنباطى، شدت أحلام بهذه الطقطوقة الجميلة من الإذاعة المصرية قبل عشر دقائق من الثامنة مساء السبت الموافق 1941/6/21م، و كانت أغنية أحلام فى وصلتها الثانية بمساء السبت 1941/6/21هى أغنية "سمير القلب"، وبذلك أصبح صوت أحلام هو الصوت النسائى الثانى الذى ترنم بهذه الطقطوقة البديعة بعد صوت المطربة الكبيرة أمال الأطرش الشهيرة بأسمهان، حيث شدت أسمهان بلحن السنباطى البديع من مقام الكرد لهذه الطقطوقة ولأول مرة من الإذاعة المصرية فى تمام الساعة التاسعة من مساء الأربعاء الثامن عشر من شهر ديسمبر فى عام 1940 م، لقد أضفى أداء أحلام الواثق وصوتها النادر الكثير من الجمال على تلك الطقطوقة، ولم يمنع أداء مطربتين من وزني أسمهان وأحلام للحن هذه الطقطوقة صوتاً نسائياً ثالثاً وجميلاً من أن يضيف جديداً إلى جمال لحنها، حيث أدتها وفى عام 1942 م المطربة القديرة عصمت عبدالعليم، بل وجاء صوت رياض السنباطى نفسه رابعة بين الأصوات التى تغنت بهذه الطقطوقة، حيث تغنى بها فى الساعة التاسعة و خمس و ثلاثين دقيقة من مساء الجمعة 1943/7/16م، وفيما يلى نقدم نص هذه الطقطوقة الجميلة النادرة المثال فى غنائنا المصرى:
الدنيا فى إيدى والكل عبيدى
طول ما أنت معايا
اليوم وياك عمر بحاله
بهناه ومناه وبآماله
أصبح فرحان وأبات متهنى
وأحلف بالله من روحى بغنى
العين تشكيلك والقلب يغنى
طول ما أنت معايا
جربت نواك وشربت مراره
بشقاه وضناه ولهيبه وناره
والأنس فارقنى والفرح نسانى
ولا سهد نفعنى ولا نوم هنانى
ولا طيفك جانى فى الحلم ندانى
طول ما أنت معايا
الحب ربيع والوصل نداه
يفضل لنا إيه إن ضيعناه
الكون مخلوق بهواك وهوايا
والزهر بيضحك لهناك وهنايا
والطير بيغنى فى الروض ويايا
طول ما أنت معايا
حقق أداء أحلام لطقطوقة "الدنيا فى إيدى" نجاحاً كبيراً، فقد توالى تقديم تسجيل الأغنية بصوت أحلام لسنوات طوال، ولم تلبث التسجيلات الأخرى أن توارت، حتى تناساها الناس وفقدت فيما بعد مع ما فقد من تراث الإذاعة، وإزاء نجاح أحلام فى أداء أغنية "الدنيا فى إيدى"، أنتجت الإذاعة ست أغنيات لأحلام فيما بين شهرى يونيو و أكتوبر من عام 1941 م، وفيما يلى بيان هذه الأغنيات موضحاً به أسماء مصنفيها من شعراء وملحنين وتاريخ الإذاعة الأولى لكل واحدة منها (مونولوج؟ أيا سحاب".
إسماعيل صبرى- عبده قطر، 1941/8/11م) - (وفاء النيل حلمى البشلاوى- أحمد صدقى، 1941/8/11م)- (طقطوقة "إزا ى نسيت عهد ودادى" قاسم مظهر- عبده قطر، 1941/9/28م)- (مونولوج "يا للى غيابك طال ": أحمد رامى- محمد القصبجى، 1941/9/28م)- (ورد الربيع فتحى قورة- أحمد عبدالقادر، قدمت 9.30 صباح ثانى أيام عيد الفطر المبارك لسنة 1360 هـ و هو يوم الأربعاء 1941/10/22م) و(يا طير يا معدى ع المحبوب: عبدالفتاح مصطفى- أحمد عبدالقادر، قدمت فى برنامج "أغان ريفية" الذى أذيع 12.55 بعد ظهر ثانى أيام عيد الفطر المبارك لسنة 1360 هـ)، ومن المهم القول بأن الأغنيات الست الجديدة لأحلام فى عام 1941 م تمد قدمت فى ثلاثة أيام، وبما يعنى أن معدل ما تدم لها من أغنيات جديدة قد بلغ أغنيتين فى كل يوم من تلك الأيام الثلاثة، ويرجع السبب فى لك إلى أن الإذاعة كانت قد دأبت فى ذلك العهد على تقديم نجوم الغناء فى وصلتين غنائيتين خلال ساعات السهرة فى البرنامج اليومى.
لكى يطلع القارئ المعاصر- وهو نفسه مشاهد ومستمع (الفيديو كليب)- على نوعية أخرى من الأغنيات التى قدمتها أحلام فى عامها الأول مع الغناء، سوف نقدم هنا النص الكامل لأغنية "وفاء النيل"، التى تغنت بها أحلام فى تلك المناسبة الخالدة والعزيزة على كل المصريين، وليتأمل القارىء ما عالجه الشاعر حلمى البشلاوى- وهو ليس من مشاهير شعراء ذلك العصر- فى الأغنية من معان وأفكار، حيث تغنى فى البداية بأفضال النيل التى عرفها الناس خلال تاريخ طويل لحضارات ازدهرت على شاطئيه، ثم انتقل حلمى البشلاوى فى أفكاره داخل الأغنية إلى الرومانسية التى تتغنى بجمال النيل وسحر ليله ورقة نهاره، وليقارن القارئ بين مستوى ما قدمه حلمى البشلاوى فى أغنية "وفاء النيل" من معان وأفكار وبين ما يتغنى به البعض الآن عن "الحمار" على سبيل المثال، وفيما يلى: نص أغنية "وفاء النيل" وهى الأغنية الخامسة لأحلام فى مشوارها مع الغناء:
نيل بلادنا الوافى غالى جانا شرف م
العلالى
نيل بلادنا الوافى
ضيف عزيز والكل حبه تلقى خير
الناس فى قلبه
شىء بديع من صنع ربه خير بلادنا فيك
ياغالى
لك يا نيل أفضال علينا يوم ما تيجى
الخير يجينا
أنت روحنا ونور عنينا ما التقيتش زيك
ياغالى
نيل بلادنا الوافى الغالى
قطننا والقمح منك والوفا ناقلينه
عنك
يا ملاك مشهور بأنك شهد صافى
وحلو غالى
ميتك يا نيل شفتنى والزهور منك
سبتنى
والطيور غنت شجتنى فرحانين بك ليه
ياغالى
نيل بلادنا الوافى غالى
ياللى شاغل كل فكرى والفلايد فيك
بتجرى لما ييجى الليل ويسرى والقمر يظهر يا
غالى
وصى موجك يبقى هادى يوم ما أجيب
محبوب فؤادى
ياللى ماشى فى كل وادى تسقى
واطى وتسقى عالى
نيل بلادنا الوافى غالى
نسمتك ما أنساش جميلها على الحبيبة
فى إيد خليلها
ياما ناس مخصوص تجيلها تتروى
منها يا غالى
يا بنات النيل يا خفة يا جمال
ملفوف فى عفه
بالفلايك لفوا لفة غنوا قولوا نيلنا
غالى نيل بلادنا الوافى غالى
وفيما يبدو أنه سمة لغناء ذلك العهد، فقد أعاد ملحن أغنية أحلام الخامسة. أحمد صدقى تقديم الأغنية مرة أخرى بصوته، حيث أذاعت الإذاعة تسجيلاً للأغنية بصوت أحمد صدقى ولأول مرة بعد خمس دقائق من الثامنة فى مساء الثلاثاء 1943/8/3.
بلغ رصيد أحلام من الأغنيات الإذاعية- وقبل أن تكملي العام الأول فى مشوارها مع الغناء- تسعاً من الأغنيات، وهو رصيد ينبى بأن الموهبة الجديدة حجزت لصوتها مكانا فى طليعة مطربات ذلك العهد، وهو عهد لم يكن يسمح بظهور واستمرار سوى المواهب الحقيقية، ولكن ما حدث فعلا كان على العكس من ذلك تماماً، و جاء ما لقيه صوت أحلام فيما بعد عام 1941م مخالفاً لما استقر عليه النظام فى عالم الغناء المصرى، مما أوجد حالة متفردة فى تاريخ الغناء المصرى والعربى خلال عصره الذهبى لم نعرف لها مثيلاً.
ست سنوات عجاف! حمل عام 1942 م وما تلاه من أعوام قليلة قبل عام 1947 م مفاجأة تتعلق بمشوار أحلام مع الغناء، وهى مفاجأة لم يتيسر تفسيرها حتى الآن وحتى بعد الرجوع إلى أخبار هذه الفترة وأحداثها المحفوظة فى الصحف و المجلات المعاصرة لتلك السنوات، وتتلخص تلك المفاجأة فى أن ما كان يقدم فى برامج الإذاعة مما أنتجته أحلام من أغنيات قد تناقص خلال شهرى نوفمبر و ديسمبر من عام 1941 م، ثم توقفت الإذاعة تماماً عن تقديم أغنيات أحلام منذ شهر فبراير من عام 1942 م، جاء توقف إذاعة أغانى أحلام مقابلاً لصعود نجمتين جديدتين فى عالم الغناء هما عصمت عبدالعليم وشهر زاد، وكانت المطربة عصمت عبدالعليم الأكثر استئثاراً من بين الأصوات الجديدة باهتمام الإذاعة، حتى أنه عندما قدمت الإذاعة التسجيل الذى أنتجته تحت مسمى "من مختارات الإذاعة" و بصوت عصمت عبدالعليم لأغنية "الدنيا فى إيدى" ولأول مرة فى يوم الثلاثاء 1942/4/28م، توقفت الإذاعة بعد ذلك التاريخ 1942/4/28م- عن تقديم تسجيل الأغنية الذى أنتجته قبلا وبصوت أحلام حتى نهاية عام 1947 م.
لم يكن لتجاهل الإذاعة صوت أحلام أدب يستمر بأى حال من الأحوال، ولم يكن أيضاً لذلك التجاهل أن يئد صوتاً نادراً كصوتها لا يظهر إلا على فترات من الزمن، وكذلك فإن التجاهل لم يكن ليمنع بأى حال فتاة موهوبة كأحلام من الغناء، فاجتذبها معهد الاتحاد الموسيقى الذى تأسس فى شهر ديسمبر من عام 1940 م على يد شيخ الموسيقيين إبراهيم شفيق، حيث أتيحت لأحلام فرصة الشهرة عندما استمع إلى غنائها فى ذلك المعهد عازف الكمان المعروف أحمد الحفناوى، وقد تحدثت أحلام عن هذا اللقاء إلى الكاتب الصحفى جليل البندارى فقالت: "إن الذى اكتشف صوتى هو عازف الكمان المشهور أحمد الحفناوى، فقد استمع إلى عن طريق المصادفة فى معهد إبراهيم شفيق، وكنت أغنى بعض أغنيات أم كلثوم مثل "رق الحبيب " و "أذكرينى" و "فاكر لما كنت جنبى"، فاخذنى الحفناوى إلى عبدالوهاب فى نقابة الموسيقيين وطلب إلى أن أغنى أى لحن، فأمسك المرحوم أنور منسى بالكمان و عزف مقدمة (يا وابور قولى رايح على فين)، وانطلق صوتى بهذه الأغنية التى كانت منتشرة فى ذلك الوقت (آخر ساعة: 1961/11/1م)، وأضافت أحلام إلى ذلك فى حديثها لجليل البندارى أن محمد عبدالوهاب أمسد عوده وعزف عليه مقدمة أغنية جديدة صاغ لحنها من مقام عجم، ثم غنى عبدالوهاب أمام أحلام مذهب الأغنية التى كانت من قالب الطقطوقة، وكان مذهب الأغنية التى كتبها الشاعر صالح جودت كما يلى:
القمح الليلة ليلة عيده يا رب تبارك
وتزيده
وما أن انتهى محمد عبدالوهاب من عزف اللحن وغناء المذهب، حتى كانت أحلام تردده أمامه بصورة أعجبته، مما جعله يتعاقد معها لمشاركته غناء هذه الطقطوقة فى فيلمه الأخير "لست ملاكاً"، وفى هذا الفيلم الذى عرض لأول مرة فى 1946/10/28... استمع جمهور الأفلام الغنائية إلى صوت أحلام للمرة الأولى و قد رفى بطريقة (الدوبلاج) على صورة الممثلة ليلى فوزى.
كان ظهور صوت أحلام فى فيلم "لست ملاكاً" و بعد طول إهمال من الإذاعة بمثابة إلقاء حجر فى بحيرة ساكنة المياه، حيث أحدث اشتراك أحلام بالغناء مع موسيقار بحجم وقيمه محمد عبدالوهاب العديد من الأصداء فى عالم الغناء المصرى، كانت نقابة الموسيقيين بالقاهرة مسرحاً لأهم تلك الأصداء على الإطلاق، فقد تصادف يوما أن تواجدت أحلام مع الموسيقار محمود الشريف فى مقر النقابة، كانت أحلام تتردد على النقابة لتستمع إلى ما يتردد هناك من تجارب على ألحان جديدة، ولتدرب صوتها أو لتسمعه للبعض من كبار الملحنين ممن يترددون على بيت أهل الغناء كلهم، يوما كان محمود الشريف يقوم بتدريب مطربة ناشئة من مدينة المنصورة على أداء لحن جديد، بدا محمود الشريف يومها ثائراً و حانقاً لفشل المطربة الصغيرة القادمة من المنصورة فى أداء لحن الأغنية بطريقة صحيحة، و عندما شاهد أحلام فى إحدى غرف النقابة وعرف أنها المطربة الجديدة التى شاركت محمد عبدالوهاب أداء أغنية "القمح"، عرض عليها يومها أن تغنى لحنه الجديد لأغنية "الصبر"، و بعد أن استمعت أحلام من محمود الشريف إلى لحنه الشجى من مقام البياتى لكلمات الأغنية، انطلق صوتها الهادى والواثق- بعد نصف ساعة قضتها فى استظهار اللحن- لتؤدى الأغنية بالصورة التى أرضت محمود الشريف و شهود الواقعة (أحلام ... سندريلا الجديدة الإذاعة، العدد 1067، 1955/8/27م)، هكذا لعبت الصدفة الدور الرئيسى فى إنهاء فترة توقف أحلام عن الغناء، تلك الفترة التى استمرت لست سنوات عجاف، حيث عادت أحلام إلى الإذاعة لتسجل أغنيتها العاشرة. أغنية "الصبر"، والتى أذيعت لأول مرة فى السابعة والربع مساء و بعد إفطار يوم الأحد الثالث و العشرين من شهر رمضان سنة 1366 هـ والموافق 1947/8/10م، و كان نص تلك الأغنية التى كتبها الشاعر الغنائى محمد إبراهيم إسماعيل والشهير بأبى سمرة كما يلى: يا عطارين دلونى الصبر فين
أراضيه
ولو طلبتوا عيونى خدوها بس ألاقيه
سألتهم عنه العطارين قالوا
المر فيه منه والصبر مش موجود
والمسك قال عنه اللى اشتراه شاله
وقال لنا إنه من قسمة الموعود
فى المر بنتاجر ورخيص نبيعهولك
والصبر شئ نادر وإزاى نجيبهو
لك
إن دورت وجبته أمانة للعطار هات منه
وقيه
وإن ما لقيتش تعالى معانا نسأل يمكن
نلقى شويه
مرارة الطعمين موجودة فى الاتنين
الناس قالوا لى الصبر جميل شافوه
صحيح والا حكاية
وكل شىء ماعلهش دليل مالوش لا
أصل ولا نهاية
حتى العطار ع الصبر احتار
يا عطارين دلونى الصبر فين
أراضيه
حلقت أغنية "الصبر" باسم أحلام عاليا فى سماء الشهرة والنجومية، واحتلت الأغنية مكانا ثابتاً فى برامج الإذاعة الأسبوعية منذ إذاعتها الأولى ولسنوات طوال بعد ذلك، كانت هناك مجموعة من المطربات ممن بدأن الغناء مع أحلام أو بعدها بقليل، نذكر من هذه المجموعة أسماء مثل. عصمت عبدالعليم- أجفان الأمير - هيام عبدالعزيز و فايدة كامل، حققت هذه المجموعة من المطربات نجاحات تلو نجاحات بأغنيات أطلقنها خلال فترة توقف أحلام عن الغناء، ولكن ها هى أغنية "الصبر" توقف ما صنعن خلال السنوات الست العجاف، و تصبح أغنية "الصبر" فى مقدمة ما يطلب جمهور الإذاعة سماعه من أغنيات ذلك العهد، ويمكن القول بأن نجاح أغنية "الصبر"- ومثيلاتها من الأغنيات الناجحة- إنما يرجع لاستيفاء أركانها الثلاث (الكلمة واللحن والأداء) لمقومات القبول و عناصر الجاذبية، ولينظر القارئ أو المستمع إلى توفيق مؤلف الأغنية فى حشد كم كبير من المأثورات الشعبية التى تتردد على لسان بسطاء الناس وأعيانهم عن الصبر ومرارة تجربته فى سياق أبيات أغنيته ومقاطعها، و ليستمع المستمع - حتى يومنا هذا- الى لحن محمود الشريف لكلمات الأغنية، وليلمس بإذنه توفيق محمود الشريف فى صياغة لحن غنائى (ميلودى) لهذه الكلمات يعبر وبصدق عن الصبر والمرارة فى أن واحد، و قد لا نجد أحداً حتى يومنا هذا يختلف على ملائمة صوت أحلام لما عبرت عنه الأغنية من تجربة إنسانية تنضح بالمرارة، وليس هناك من هو أقدر على وصف صوت أحلام من محمود الشريف الذى أعطاها أروع ما غنت، حيث يقول الشريف واصفاً صوتها: "إن لأحلام صوتا متميزاً، يبتعد فى نبراته عن جميع الأصوات المعروفة، وهو صوت منفرد ليس له قوين أو شبيه، ويخطئ من يضعوه مع المطربة نجاة (الصغيرة) فى اتجاه متقارب فى التذوق السمعى، لأن لنجاة صوتاً مستعاراً لا يقلل من تفوق أدائها، ولكن لأحلام صوتاً طبيعياً، وهى واحدة من أعظم من لحنت لهن من مطربات، ينطلق أداؤها من الوجدان و ليس من الحنجرة فقط"! (محمد سعيد: أشهر مائة فى الغناء العربى، الكتاب الثانى، ص 161).
عود على بدء عادت الإذاعة فى عام 1948 م لتقديم أغنيات أحلام الأولى مثل أغنية "الدنيا فى إيدى"، وذلك بالإضافة إلى أغنية "الصبر" التى ما فتئت الإذاعة تعيد تقديمها بصفة متصلة، كانت عودة أحلام إلى بؤرة اهتمام الإذاعة بعد نجاح أغنية "الصبر" إيذاناً بعودة الإذاعة لإنتاج الأغنيات من جديد لها، و قد تحقق ذلك سريعاً بعد نجاح أغنية "الصبر"، حيث قدمت الإذاعة أغنيتين جديدتين لأحلام فى شهر مارس من عام 1948 م، كانت الأغنيتان من تلحين أحمد صدقى، وأولاهما هى الأغنية الدينية "فى السما والأرض زينة " والتى كانت من تأليف محمد الفيومى، وقد أذيعت تلك الأغنية للمرة الأولى فى يوم الأربعاء الموافق 1948/3/10م، وأما الأغنية الثانية فهى طقطوقة "خايف عليك م الهوى"، وهى من تأليف مرسى جميل عزيز وأذيعت لأول مرة فى يوم الأحد 1948/3/21م، ومن المهم أن نذكر هنا أن أغنية "فى السما والأرض زينة" كانت عن ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبدأ هذه الأغنية بالمقطع التالى:
يوم ميلادك يانبينا فى السما
والأرض زينة
يوم ميلادك يوم سلام نحيى ذكراه كل
عام والقلوب مسكن لرسمك ليل نهار نهتف
باسمك
يوم ميلادك يا نبينا
بالرغم مما حققته أغنية "الصبر" من شهرة لأحلام، إلا أنها ظلت على سابق عهدها مقلة فى إنتاجها الغنائى، فهى لم تقدم فى عام 1948 م شئ سوى الأغنيتين المشار إليهما هنا، وجاء إنتاجها فى عام 1949 م مقاربة أيضاً لما قدمته فى العام السابق، حيث قدمت فى هذا العام أغنيتين جديدتين بالإضافة إلى مشاركتها ولأول مرة فى برنامج غنائى إذاعى، كانت أغنية "يا محير دمع عنيك" التى نظمها إدوارد ينى سليمان ولحنها أحمد صدقى هى أولى الأغنيتين، وقد أذيعت هذه الأغنية فى التاسعة والنصف من مساء الأربعاء 1949/1/5م، وهى أغنية تفيض بالبشر والتفاؤل وتدعو للإقبال على الحياة والتمسك بها، وذلك فيما يعد خروجاً على المقاصد المتداولة فى أغنيات ذلك الزمان، وهى مقاصد تدور كثيرا حول البكاء والنواح والدموع، مما يمكن أن يستشفه القارئ من أسماء مجموعة من أشهر أغنيات ذلك العهد مثل لما انكويت بالنار- الدمع من عينى انتهى - يا اللى أنت شايف دموعى- مالك يا قلبي حزين اليوم وعذبتنى فى هواها، فكان خروجا على المألوف أن تتغنى أحلام بكلمات كهذه فى أغنية "يا محير دمع عنيك":
يا محير دمع عنيك بزيادة أنا قلبى
عليك
حوش دمع العين دا العمر يومين
يا محير دمع عنيك
اضحك للدنيا تلاقى جناتها
اتفتحت ليك
وادخلها تلاقى الساقى من شهد
الكاس يرويك
ليه فكرك سارح فى هموم إمبارح
دا امبارح ولى وراح والحزن وراه
أفراح
والليل فى نهايته صباح
وجاءت الأغنية الثانية لأحلام فى عام 1949 م لتنسج على منوال الأغنية الأولى، كانت تلك الأغنية من أغنيات الصباح التى بدأت الإذاعة المصرية فى تقديمها خلال النصف الثانى من أربعينيات القرن العشرين، حدث ذلك عندما توافر لمكتبة الإذاعة مجموعة من أغنيات البرامج الغنائية أو من مختارات الإذاعة والتى تعنى أنها من إنتاج الإذاعة، وكانت هذه المجموعة من الأغنيات تتغنى بالصباح أو الشروق أو الفجر، ومن هذه المجموعة نذكر الأغنيات التالية: "هيا إلى المروج" لجيهان، وهى من البرنامج الغنائى "عذراء الربيع" – "الصباح" لسيد مصطفى- "صباح الفل" لأجفان الأمير- "يا نسيم الفجر" لأم كلثوم- "الشروق" لكارم محمود- "محلاها ساعة البدرية"م لفاطمة على- "الصباح النادى" لأحمد صدقى، حيث دأبت الإذاعة على تقديم هذه الأغنيات فى ساعات الصباح الباكر من بثها اليومى، وإلى هذه النوعية من الأغنيات تنتمى أغنية أحلام الثانية لعام 1949 م، وهى أغنية "الفجر لاح " والتى كانت من نظم محمد الفيومى ومن ألحان أحمد عبدالقادر، وقد أذيعت هذه الأغنية للمرة الأولى فى التاسعة والربع من صباح الثلاثاء 28/6/1949 م، والأبيات التالية تمثل مقطعاً من هذه الأغنية الجميلة التى نفتقر كثيراً إلى مثيلاتها فى أيامنا هذه:
الفجر لاح على الوجود بشرنا بنهاره
بدد ظلامك يا ليل من سحر أنواره
الفجر هل وبان صحى اللى كان
نايم
والطير على الأغصان بيسبح الدايم
وآدى النسيم يسرى ويلاعب
الأزهار
وصحينا من بدرى بنمتع الأنظار
يا فجر... يا فجر
صوت مسرحى امتلك صوت أحلام من الإمكانات ما جعله مؤهلاً للغناء المسرحى، ولما كان المسرح الغنائى فى مصر قد أغلق أبوابه منذ الثلاثينيات وبعد انتشار السينما، فان الحل الذى توصلت إليه الإذاعة- لكونها الناشر الأكبر للغناء آنذاك- ومنذ أواخر الثلاثينيات للحفاظ على تراث الغناء المسرحى تمثل فى شقين، أو لنقل جاء فى اتجاهين، كان ابتكار فكرة البرنامج الغنائى هو أول وأهم الشقين أو الاتجاهين، وتقوم فكرة البرنامج الغنائى على المزج بين المشاهد الدرامية والفصول أو المواقف الغنائية فى إطار قصة ذات مشاهد أو بالأحرى مسامع بسيطة، بينما مثلت الحفلات الغنائية التى تقام بالمسارح أو القاعات أو الأماكن المفتوحة كالميادين والحدائق والأندية الشق الثانى من الحل الذى ابتكرته الإذاعة للمحافظة على تراث الغناء المسرحى من الضياع، وقد أسهمت أحلام وبحكم إمكاناتها الصوتية ذات الأبعاد التعبيرية فى كلا الشقين ومنذ خطواتها الأولى فى عالم الغناء.
كان العمل الغنائى الثالث لأحلام فى عام 1949 م هو البرنامج الغنائى "عظمة الرسول" صلى الله عليه وسلم، وقد أذيع هذا البرنامج وللمرة الأولى بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف بعد خمس دقائق من السادسة فى مساء الأربعاء الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة 1368 هـ والموافق 1949/1/12م، والبرنامج من تأليف عزالدين فراج ومن ألحان أحمد صدقى وقام بإخراجه السيد بدير، ثم توالت مشاركات أحلام فى البرامج الغنائية التى شهدت عصرها الذهبى فى النصف الثانى من الأربعينيات وطوال عقد الخمسينيات من القرن العشرين، والجدول رقم (1) الجدول يبين ما أمكن رصده من البرامج الغنائية الإذاعية التى شاركت فيها أحلام خلال الفترة من بداية مشوارها مع الغناء وحتى نهاية الخمسينيات، وقد استثنى من هذا الرصد الذى يتضمنه الجدول رقم (1) عملان كبيران قدمتهما أحلام بالإذاعة فى عام 1957 م، أولهما مشاركتها فى أوبريت "يا ليل يا عين" التى قدمتها فرقة الفنون الشعبية على مسرح دار الأوبرا المصرية صماء الاثنين 1957/3/11م، وقد أذيع الأوبريت من الإذاعة المصرية فى سهرة، البرنامج العام ليوم الأحد 1957/3/24م، وكان العمل الثانى هو مشاركة أحلام فى أوبريت "العشرة الطيبة" لسيد درويش، وقد أشترك مع أحلام بالغناء فى "العشرة الطيبة" كل من. كارم محمود- شهر زاد- سيد مصطفى- جمال الدين محمد وصلاح عبدالحميد، وقد قام بالتوزيع الموسيقى لهذه الأوبريت عبدالحليم على وأخرجها للإذاعة السيد بدير، وأذيعت "العشرة الطيبة" بأداء هذه المجموعة من الأصوات الغنائية والموسيقيين فى العاشرة والربع من مساء الخميس 18 رمضان دشة 1376 هـ والموافق 1957/4/18م، إن استثناء هذين العملين إنما يرجع إلى طبيعتهما المسرحية والتى لا تتفق مع طبيعة البرامج الغنائية الإذاعية وخصائصها المميزة، وبالعودة إلى الجدول رقم (1) يتضح لمتأمله تعدد مقاصد هذه البرامج واتجاهاتها، وهو ما يتطلب أصواتاً مقتدرة تستطيع أن تتلون لتؤدى مختلف قوالب الغناء، ولينظر القارئ إلى الدور الذى أداه صوت أحلام فى البرنامج الغنائى "العرب للعرب"، فى هذا البرنامج مثلت أصوات محمد عبدالمطلب وفاطمة على وكارم محمود وعصمت عبدالعليم وسيد إسماعيل وعائشة حسن ومحمد تكرونى وحورية حسن ومحمد رشدى وبرلنتى حسن مجموعة من الدول العربية تضمنت السعودية وسوريا ولبنان والاردن والسودان واليمن وفلسطين والجزائر والعراق، بينما مثل مصر صوت أحلام، دارت فكرة البرنامج حول تعاهد الدول العربية دولة دولة مع مصر على الكفاح دفاعاً عن حرية الوطن العربى وسلامة أراضيه، فجاء الغناء فى شكل حوار بين الأصوات التى مثلت الدول أو الشعوب العربية وصوت أحلام الممثل لمصر، ولنأخذ مثالاً هنا الحوار الغنائى بين الصوت المعبر عن الشعب السعودى وصوت أحلام الناطق باسم الشعب المصرى والذى جاء كما يلى: تنطلق أصوات مجموعة المنشدين التى تمثل الشعب السعودى وهى تردد:
نفدى أراضيك يا مصر يا غالية
شبابنا يحميك بهمته العالية
بعد ذلك يأتى دور المطرب محمد رشدى الذى يعبر عن صوت السعودية فيغنى: ودمى مش لعروقى دا للفدا فى الوغى
سيفى ورمح شقيقى على من طغى أو
بغى فيرد عليهم صوت أحلام معبراً عن صوت مصر ومترنما بالبيتين التاليين:
أهلا بأرض النبى وأهل بيت النبى
فى كل فرحة وشدة معايا مكة
وجدة
ثم يتوالى غناء الشعوب العربية بعد ذلك، وقد مثلت على النحو التالى: (فاطمة على. صوت سوريا)- (كارم محمود. صوت لبنان)- (عصمت عبدالعليم صوت الأردن)- (محمد عبدالمطلب: صوت اليمن)- (برلنتى حسن: صوت فلسطين)- سيد إسماعيل. صوت الجزائر- محمد تكرونى: صوت السودان- وعائشة حسن: صوت العراق، ويتوازى مع غناء هذه الشعوب غناء مصر ممثلاً بصوت أحلام (زينب محمد حسين: العرب للعرب، الإذاعة، العدد 1134، 1956/12/8، ص 22- 23)، ومن ذلك العرض المبسط لفكرة البرنامج الغنائى "العرب للعرب" يتضح أن غناء أحلام فى البرنامج جاء معادلاً لغناء جميع الأصوات المقتدرة التى شاركتها الغناء فى البرنامج.
تمرست أحلام بمواجهة الجمهور منذ بداياتها الأولى مع الغناء، منذ أن كانت تشارك فى الحفلات المدرسية فى ميت غمر والقاهرة، حيث جاء فى أحد الأخبار التى نشرتها عنها مجلة "الإذاعة" أنها: "بدأت تؤدى أغانيها فى سن العاشرة على مسرح مدرسة ميت غمر الابتدائية" (الإذاعة: العدد 1114، 1956/7/21م- ص 44)، لذلك كان من الطبيعى أن يجد صوتها مكاناً فى الحفلات الغنائية، تلك الحفلات التى دأبت الإذاعة المصرية على نقلها مباشرة ومنذ أواخر الثلاثينيات من قاعات المسرح والسينما أو من بعض الأماكن المفتوحة مثل الأندية والحدائق، جاء الحفل الذى نقلته الإذاعة المصرية على الهواء مباشرة ومثل المواجهة الأولى لصوت أحلام مع جمهور الغناء من خلال البرنامج الذى أطلقت عليه الإذاعة اسم "فرقة كواكب المسرح والسينما"، وهو برنامج منوعات نقلته الإذاعة على الهواء من كازينو سبورتنج بالإسكندرية فى تمام العاشرة من مساء الخميس 1949/8/18وقد اشترك مع أحلام فى ذلك البرنامج كل من محمد الكحلاوى- بديعة صادق- محمد الجنيدى وعمر الجيزاوى، ونقلت الإذاعة الحفل الغنائى الثانى لأحلام من الإسكندرية أيضاً وفى العاشرة والنصف من مساء الأربعاء1950/6/21 م، وكان المشاركون لأحلام بالغناء فيه كل من محمد عبدالمطلب، ومحمد الجنيدى، وتبع ذلك الحفل الثالث الذى اشتركت فيه أحلام مع كل من محمد عبدالمطلب وبديعة صادق ومحمد الجنيدى، وقد نقلت الاذاعة ذلك الحفل فى العاشرة والربع من مساء الاثنين الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 1369 هـ والموافق 1950/7/10م، وتعد قلة عدد الحفلات الغنائية المسرحية التى شاركت فيها أحلام خلال العشر سنوات الأولى من مشوارها مع الغناء هى الملاحظة الرئيسية التى يخرج بها القارىء للسرد السابق لتلك الحفلات، وإلى جانب ذلك فإنه من المهم أيضاً التنبيه إلى التباعد النسبى بين تلك الحفلات، وعندما تطورت فكرة الحفلات الغنائية الإذاعية ليخرج منها ما عرفه جمهور الإذاعة فى النصف الثانى من عقد خمسينيات القرن العشرين باسم برنامج "أضواء المدينة"، وهو البرنامج الذى لمعت من خلال حفلاته جميع الأصوات التى بدأت مشوار الغناء بعد بداية أحلام بسنوات وسنوات، وجاءت المشاركة الأولى لأحلام فى حفلات "أضواء المدينة" فى الحفل الذى أقيم بمدينة المنيا فى مساء الخميس 1957/5/30، وقد أحيا ذلك الحفل وطبقاً للترتيب الذى قدمته مجلة "الإذاعة" بالصفحة السابعة والخمسين من عددها رقم (1157) الصادر فى 1957/5/25م كل من. عبدالحليم حافظ - نجاة الصغيرة- شادية- أحلام محمد الكحلاوى- سعاد مكاوى وكارم محمود، كان ذلك الترتيب إنعكاساً لموقع أحلام فى سوق الغناء المصرى بعد سبعة عشر عاما من الغناء، حيت سبقتها أصوات بدأت المشوار بعدها بسنوات، وقفزت تلك الأصوات لتحتل مواقع الصدارة بين نجوم الصف الأول من أهل الغناء.
جاذبية الفن السابع كعادة نجوم الغناء منذ ظهور السينما الناطقة، اتجهت أحلام إلى الغناء فى الأفلام الغنائية والسينمائية منذ خطواتها الأولى فى عالم الغناء، وكما جاء قبلا فى سياق هذا المقال، أن صوت أحلام عرف الطريق إلى الشهرة عندما شاركت الموسيقار محمد عبدالوهاب أداء أغنية "القمح" فى فيلم "لست ملاكاً"، بعد ذلك اشتركت أحلام بالغناء فى فيلم " ورد شاه" مع كل من رجاء عبده وكارم محمود وسعدية عبدالوهاب، وقد عرض ذلك الفيلم لأول مرة فى 1948/2/12م، وقام بالأداء التمثيلى فى الفيلم كل من: رجاء عبده- يحيى شاهين- حورية محمد- مختار عثمان- محمود السباع- على الكسار وكارم محمود، كان غناء أحلام فى فيلم "ورد شاه" بطريقة (الدوبلاج) أيضاً، حيث غنت فى الفيلم أغنية واحدة هى "مظلوم يا عينى"، كانت الأغنية من تأليف محمود بيرم التونسى ومن ألحان إسماعيل صديق (الإذاعة المصرية العدد 783، 1950/3/17م، ص 24).
ودعت أحلام الغناء السينمائى من وراء صورة ممثلة أخرى سريعاً، حيث مثلت فيلمها الأول بعد حوالى عام من ظهور صوتها فى فيلم "ورد شاه"، كان الفيلم الأول لأحلام هو فيلم "المرأة شيطان" والذى جاء عرضه الأول فى 1949/2/28م، وقد لعبت أحلام دور البطولة فى ذلك الفيلم أمام المطرب والملحن محمد فوزى، واشترك معهما فى تمثيل الفيلم كل من.
سميحة توفيق- محمود شكوكو- على الكسار ولولا صدقى، غنت أحلام فى فيلمها الأول ثلاث أغنيات هى"على أسيوط"- "سهرت أيام وليالى" و"فرحانة بحبى"، كانت الأغنيات كلها من تأليف كاتب قصة الفيلم وصاحب حواره الشاعر صالح جودت، وبالطبع كانت ألحان أغنيات الفيلم من إبداع بطل الفيلم. محمد فوزى، وقد أخرج الفيلم عبدالفتاح حسن، وهو نفسه مخرج فيلم "ورد شاه"، ثم قام نفس المخرج بإخراج الفيلم الثانى لأحلام، وهو فيلم "المرأة" الذى لعبت فيه أحلام دور البطولة أمام الممثل كمال الشناوى، واشترك معهما فى تمثيل ذلك الفيلم كل من سميحة توفيق- مارى منيب - ومحمود السباع، تضمن الفيلم الثانى لأحلام والذى عرض فى 1949/7/25م المجموعة التالية من الأغنيات "يا سلام على ظلم الرجالة " - "الكوتشينه"- "صباح الخير"- "تعجبنى"- "لبنان و"ح تقول إيه " (محمود قاسم. موسوعة الأفلام الروائية فى مصر والعالم العربى، الجزء الثانى، ص 480)، على أنه لا يمكن القول الآن بأن كل تلد الأغنيات كانت جميعها من غناء أحلام، لأن معلومات أرشيف المركز الكاثوليكى المصرى للسينما بالقاهرة تقول بأن الفيلم قد استوعب إلى جانب أحلام مطربة جديدة تدعى دلال، وأشارت معلومات الأرشيف أيضاً إلى أن أغنيات الفيلم كانت من تأليف كل من محمود بيرم التونسى وصالح وجودت، وكشفت هذه المعلومات أيضاً عن أن تلحين أغانى الفيلم كان قسمة بين ثلاثة من الملحنين هم محمود الشريف وأحمد صدقى وفريد غصن (أرشيف المركز الكاثوليكى للسينما بالقاهرة. ملف رقم 406).
انقضى عامان من عمر الزمان حتى ظهر فيلم أحلام الثالث والأخير، وهو فيلم "البنات شربات" والذى عرض لأول مرة فى 1951/7/30م، وقد اشترك مع أحلام فى تمثيل ذلك الفيلم- ومن واقع الإعلانات التى نشرت بصحافة ذلك العهد- كل من. إسماعيل يس- سراج منير- محمود المليجى- ميمى شكيب- رجاء وعواطف- إلياس مؤدب وآخرين، كانت قصة الفيلم والسيناريو والحوار لأبى السعود الإبيارى، بينما قام بالإخراج المخرج حلمى رفلة، وأما عن أغنيات الفيلم.
فقد ذكرت أحدث موسوعة سينمائية أن الفيلم تضمن الأغنيات التالية. (هنروح لمين- مين هوه اللى بحلم بيه- البنات شربات- التماثيل- أجزخانة الهوا- وعيد الميلاد)، وقد ذكرت معلومات الموسوعة أيضاً أن الموسيقى- وليس التلحين- كانت من إبداع عطية شرارة (محمود قاسم. موسوعة الأفلام الروائية فى مصر والعالم العربى، 2006 م، الجزء الأول، ص 251)، إن تحديد ما غنته أحلام فى ذلك الفيلم يتعذر التوصل إليه من خلال معلومات هذه الموسوعة، وذلك لوجود أكثر من ممثل بين ممثلى الفيلم ممن عرف عنهم إتقان الغناء، ومن هؤلاء الممثلين إسماعيل يس وإلياس مؤدب، لذا يتطلب تحديد ما غنته أحلام فى فيلمها الثالث والأخير العودة إلى نسخة الفيلم نفسه، وهو أمر متعذر الآن فى ضوء ما شهدته ذاكرة السينما المصرية وقبل سنوات من فوضى النهب والضياع.
وإذا ما نحينا جانباً مسألة تحديد عدد أغنيات أحلام فى فيلمها الأخير وأسماء هذه الأغنيات، فإن المهم هنا وما يجب التوقف أمامه يتمثل فى أمرين، أولهما أن الإذاعة المصرية- وهى الناشر الأول للغناء فى ذلك العهد- لم تقدم من أغنيات أحلام السينمائية سوى أغنيات فيلمها الأول، والمعنى بذلك أغنيات. "على أسيوط" و"سهرت أيام وليالى" و"فرحانة بحبى"، وأن أياً من أغنيات فيلميها الأخيرين لم تعرف طريقها إلى آذان مستعمى الراديو، أما الأمر الثانى المتعلق بغناء أحلام فى السينما فإنه يتمثل فى تقييم النقد الفنى لهذا الغناء، ففى الملف رقم (406) بارشيف المركز الكاثوليكى المصرى للسينما فى القاهرة، يقول أحد النقاد فى مقال لا يحمل اسم كاتبه وتعليقاً على أداء أحلام فى فيلم "المرأة" ما يلى "إلا أن أحلام يلزمها تمرين طويل لكى تصبح نجمة سينمائية"، ويقول ناقد آخر أو ناقدة تحت اسم فيكى فى معرض التعليق على غناء أحلام فى فيلم "المرأة " و"أخيراً... أحلام قالوا أنها لا ينتظر منها أن تمثل فهى مطربة، ولكن من قال إن المطربة لا تمثل فى غنائها، إن المطربة التى لا تعبر بصوتها وأحاسيسها عن معانى الأغنية التى تلقيها. لا تعتبر مطربة ناجحة، وقد لمسنا أن أكثر ألحان أحلام فى الفيلم ليست مخدومة موسيقياً... وليست شعبية، وهى أخصائية فى هذا اللون، ولا يعيب أحلام لو درست التمثيل والإلقاء، ولو عملت على (تخسيس) وزنها، ونأمل أن نراها فى فيلم قادم خيراً منها فى هذا"، لقد كان من سوء الحظ بالنسبة لأحلام أن مثلت أفلامها الثلاثة فى أزهى أيام الفيلم الغنائى طوال تاريخ السينما المصرية، ففى الأعوام الثلاثة إلتى قدمت فيها أحلام أفلامها الثلاثة، أنتجت السينما المصرية أجمل وأقوى أفلامها الاستعراضية والغنائية، ومن تلك الأفلام نذكر المجموعة التالية مقرونة باسم المطرب أو المطربة ممن عقدت لهم بطولة الفيلم ومع إثبات تاريخ العرض الأول. "أحبك إنت" لفريد الأطرش (1949/1/3)- "فاطمة وماريكا وراشيل" لمحمد فوزى (1949/7/25)- "غزل البنات"م لليلى مراد (1949/9/22)- "لهاليبو" لنعيمة عاكف (1949/9/26)- "منديل الحلو" لعبدالعزيز محمود (1949/11/7)- "عفريتة هانم" لفريد الأطرش (1949/11/28) و"شاطىء الغرام" لليلى مراد (1950/2/20)، لم يكن سوق الفيلم الغنائى ليحتمل فى هذه الفترة تجارب المبتدئين من أهل الغناء، لذلك ودعت أحلام تمثيل الأفلام الغنائية والاستعراضية سريعاً، ولكن صوتها ظهر بعد ذلك ولمرتين فى فيلمين متباعدين زمنياً، أولهما فيلم "القلب له أحكام" والذى كان عرضه الأول فى 1956/11/29، وصدح صوتها على طريقة (الدوبلاج) مع بعض مشاهد الفيلم بأغنيات.
"جانا الفرح جانا" ـ "مارضيش أبويا" و"الله يا ليل الله"، كانت أغنيات الفيلم جميعها من تأليف مرسى جميل عزيز ومن ألحان محمد الموجى، وجاءت المرة الثانية التى ظهر فيها صوت أحلام فى أحد الأفلام بعد توقفها عن تمثيل الأفلام الغناثية والاستعراضية من خلال أحداث فيلم "غراميات امرأة" الذى عرض لأول مرة فى 1960/9/3، حيث استمع جمهور السينما إلى صوتها يردد أغنيتها المشهورة "زغروطة حلوة رنت فى بيتنا" (وجدى الجافى: مطربة الصبر، الأخبار، 2006/5/21 م).
الغناء للوطن والأسرة تتعدد أغراض الغناء فى فترات ازدهاره التى تواكب عصور النهضة فى حياة الأمم، وبالرغم من هذا التعدد الذى يشى بالثراء، فإن الغناء للوطن وللأسرة يكونا فى صدارة ما يعالج الغناء من موضوعات وقضايا، وقد مثلت أغنيات أحلام التى تغنت فيها بحب الوطن وبالقيم والعلاقات الأصيلة فى الأسرة المصرية أهم ما أضافه صوتها الجميل لتراث الغناء المصرى فى عصره الذهبى، وهو العصر الذى يرى جميع النقاد أنه امتد لنصف قرن فيما بين العشرينيات والسبعينيات من القرن العشرين.
اهتمت أحلام منذ خطواتها الأولى فى عالم الغناء بتقديم الأغنية الوطنية، والمعنى بال!غنية الوطنية هنا الأغنية التى تتغنى بالوطن ورموزه من أشخاص ومعالم وتخلد كفاحه وتواكب قضاياه، كانت أغنية أحلام الوطنية الأولى وفى نفس الوقت أغنيتها الإذاعية الخامسة هى أغنية "وفاء النيل" ، وقد سبق الحديث عن هذه الأغنية فى سياق هذا المقال، والجدول رقم (2) يعرض بيانات ما تم رصده من أغنيات وطنية قدمتها أحلام، مع التركيز على أنه قد تكون هناك أغنيات وطنية لأحلام خلاف ما تضمنه هذا الجدول، والملاحظة الأولى على هذا الجدول تتمثل فى قلة عدد ما غنته أحلام من أغنيات وطنية، وبالرغم من هذا العدد القليل إلا أن واحدة من الأغنيات التى تضمنها الجدول رقم (2) تعد وبحق من أجمل الأغنيات الوطنية التى قدمها الغناء المصرى، والأغنية المعنية بذلك هى أغنية "يا حمام البر"، التى أذيعت لأول مرة من إذاعة القاهرة فى الساعة الثانية وخمس دقائق من بعد ظهر الاثنين 1956/6/18 م، وقد قدمت هذه الأغنية فى مناسبة الاحتفال بعيد جلاء قوات الاحتلال البريطانى عن مصر، وفيما يلى نقدم نص هذه الأغنية الجميلة التى جاءت فى قالب الطقطوقة:
ياحمام البر سقف طير وهفهف
.. حوم ورفرف
على كتف الحر وقف
تسلم إنشا لله
سلامات يسعد صباحك دى
بلدنا... خد براحك
يا حمام إفرد جناحك
والقط الغلة
يا رفاقه الجوخالى وحمامنا
فى العلالى
ياما كان الدم غالى
والطبيب الله
ياما راح نسمع بشاير طلى
يامه.. يا أم صابر
مابقاش ع الجسر غادر
ماشى يتسلى
مابقاش ع التل غيرنا والحبايب
بتناصرنا
يا حمام انزل فى خيرنا
والقط الغلة
اعتمدت صياغة صلاح جاهين العبقرية لهذه الأغنية الجميلة على بعض المأثورات الشعبية والوطنية، فمن المأثورات الشعبية التى لا يعرفها إلا الفلاحون فى قرى مصر قوله: يا حمام البر- القط الغلة- مابقاش ع الجسر غادر ومابقاش ع التل غيرنا، ومن المأثورات الوطنية قوله "طلى يامه.. يا أم صابر، حيث خلد بهذه الشطرة الشهيدة الأولى من نساء مصر فى معارك عام 1951 م بمنطقة قناة السويس بين قوات الاحتلال البريطانى والمصريين من رجال الشرطة والمدنيين، بينما أعطى محمود الشريف هذه الأغنية واحد من أجمل وأعذب الألحان الميلودية فى تاريخ الغناء المصرى كله، وأما عن أداء أحلام لهذه الأغنية... فإن أبلغ تعبير عنه هو ما قاله الملحن عبدالعظيم محمد عن صوتها.
"صوت أحلام أحسن صوت نسائى يجمع بين العاطفية والشعبية" (الإذاعة العدد 1230، 1958/10/11 م، ص 24)، تتبقى هنا ملاحظة أخيرة حول ما تضمنه الجدول رقم (2) من أغنيات وطنية قدمتها أحلام، وهى أن الراصد لغناء أحلام الوطنى لا يجد فيه ولو أغنية واحدة تتغنى بحاكم ممن عاشت تحت حكمهم، حيث يتضح أيضاً من خلال مراجعة برامج الإذاعة طوال عقد الأربعينيات وفى السنوات التى سبقت من الخمسينيات قيام ثورة 23 يوليو، أنما أحلام لم تشترك بالغناء أو بتقديم أغنية خاصة فى أى من المناسبات الوطنية خلال العهد الملكى، تلك المناسبات التى تضمنت عيد ميلاد الملك فاروق- عيد الجلوس الملكى- احتفالات زواج الملك وأعياد ميلاد بنات الملك وما إلى ذلك من أحداث، وبعد الثورة أرتبطت أغنيات أحلام الوطنية بكفاح مصر (مثل أغنيات "يا حمام البر"- "هنوا القنال" و" نادراك لليوم ده يا ولدى") وقضاياها (مثل أغنية "الوحدة")، وغاب من بين ما تم رصده من هذه الأغنيات ما شاع فى الخمسينيات والستينيات من أغنيات وضعت لتخليد الحاكم والتغنى باسمه، ولنضرب هنا مثالاً آخر على ما تضمنته أغنيات أحلام الوطنية بالمقاطع التالية من أغنيتى "هنوا القنال " "نادراك لليوم ده يا ولدى"، وقد قدمت أغنية "هنوا القنال" لتخليد قرار تأميم قناة السويس والذى أعلن فى 1956/7/26 م، وأذيعت هذه الأغنية للمرة الأولى فى الثامنة والثلث من مساء الاثنين 1956/8/13م، وتبدأ هذه الأغنية بالمقطعين التاليين:
هنوا القنال بينا وهنونا على كنز
كان مفتوح بإدينا
كان للأجانب من كل جانب وغريب
وهوه فى أراضينا
هنوا القنال
الكنز عاد ورجع لأصحابه اللى
رموا الأجساد فى ترابه
فى بر مصرى وبحر مصرى ومعزته
وكرامته علينا
وأما أغنية "نادراك لليوم ده يا ولدى"... فقد وضعت لتكريم والدات شهداء معركة 1956 م ممن قدمن أبناءهن للذود عن أرض الوطن، وأذيعت هذه الأغنية لأول مرة فى الثالثة من بعد ظهر الثلاثاء 1957/1/29 م، وفيما يلى نقدم المقطع الأول من هذه الأغنية:
نادراك لليوم ده ياولدى تحمينى
وتحرس بلدى
سافر مع ألف سلامة يوم ما أوفى
الندر ده عيد يا أشوفك هنا بكرامة يا تروح
الجنة شهيد
نادراك لليوم ده يا ولدى
تعد أغنيات الأسرة التى قدمتها أحلام بمثابة الدرة بين كل ما غنت، بالإضافة أيضاً إلى أن تلك الأغنيات تمثل الشطر الأكبر من كل أغنيات أحلام، إن لهذا العدد الكبير من أغنيات الأسرة التى قدمتها أحلام أكثر من دلالة، ويمكن أن تنحصر تلك الدلالات فى دلالتين رئيسيتين، أولاهما ما أثرت به حياة أحلام الأسرية فى مشوارها مع الغناء، وكأنها بذلك تعبر عن رفضها لبعض ما مر بحياتها من أحداث أو اتفاقها مع البعض الآخر من الأحداث، بينما تتمثل الدلالة الثانية فيما انطوت عليه شخصية أحلام من أمومة حقة وما يفيض به قلبها من حب للأطفال، والجدول رقم (3) فى هذا المقال يضم ما أمكن رصده من أغنيات أحلام للأسرة، وهى أغنيات تناولت الأسرة مثل أغنيات (بيت أبويا ومارضيش أبويا) والأبناء مثل أغنيات (المهد- بنتى الجميلة- الابن وبيتى وولادى) والأطفال مثل أغنيات (والنبى شربات - حبا.. حبا- بياضة يا بياضة وياختى عليها البنت الحلوة) والزوج مثل (إرجع وطاوعنى) والأفراح مثل أغنيات (توب الفرح- صينية الفرح وزغروطة حلوة)، أغنيات متعددة الأغراض تغنت فيها أحلام بأفراد الأسرة جميعا، ومازال أكثر هذه الأغنيات يتردد بين الناس حتى الآن، وذلك فى دلالة واضحة لا تقبل الشك على أن هذه الأغنيات عبرت وبصدق عن مشاعر البسطاء من الناس فاستحقت مكانها الدائم فى وجدانهم.
وللتدليل على ما أثرت به حياة أحلام الأسرية فى مشوارها مع الغناء، فإن ذلك سوف يظهر من استعراض بعض الأحداث الهامة فى حياتها، فقد تزوجت فى شهر فبراير من عام 1951 م من زوجها الأول منير إسماعيل، والذى كان يعمل دبلوماسيا وسفيرا بوزارة الخارجية المصرية، فأنجبت منه إبنها الوحيد مدحت فى 1954/11/2 م (جليل البندارى. آخر ساعة، 1956/9/26 م)، ونظرا لرفض أسرة زوجها الأول لمبدأ احترافها الغناء، فقد توقف إنتاجها الغنائى أو كاد، حتى أنها لم تقدم خلال ما يقرب من أربع سنوات سوى أغنيات فيلمها الأخير "البنات شربات" وأغنية "المهد" يوقد تغنت بأغنية "المهد" فى بداية زواجها وقبل أن ترزق بابنها الوحيد، وكأنها- أى الأغنية كانت بمثابة تعبير عن مشاعر الأمومة التى تجيش فى نفسها، وبعد انفصالها عن زوجها الأول فى خريف عام 1956 م... تزوجت بالملحن المعروف محمد الموجى، ولكن زواجها من الموجى لم يستمر طويلا، وانتهى الزواج بالطلاق بعد أحداث قادتهما إلى الشرطة والنيابة كما ذكرت صحف ذلك العهد (أحمد ماهر أحلام والموجى بين البوليس، آخر ساعة، 1958/1/15 م)، وبالرغم من ذلك- وكما يتضح من الجدول رقم (3)- قدم لها الموجى ألحان مجموعة من أهم أغاينها للأسرة، وعندما تزوجت بعد سنوات من زوجها الثالث والأخير. المحاسب محمود سماحه (أو السماحى كما كتبت بعض الصحف)، توقفت عن الغناء إثر سفرها مع زوجها إلى الجمهورية الليبية، حيث عمل الزوج هناك لسنوات خلال السبعينيات، وعندما عادت أحلام مع زوجها من سنوات الاغتراب فى أواخر السبعينيات، كان الغناء المصرى قد شهد من الأحداث ما قاد بعد ذلك إلى الواقع المؤسف الحالى لذلك الغناء، مما جعل أحلام تؤثر الاعتزال والاعتكاف فى منزلها، لقد انعكست حياتها الأسرية على إنتاجها الغنائى، فجاء بعض ذلك الإنتاج معبرا عن بعض وقائع تلك الحياة، إذ يمكن القول بأنها عبرت بأغنيتها "بيت أبويا" عن امتنانها لوالدها الذى لقيت موهبتها فى بيته كل الاهتمام والرعاية، وكما شهدت حياتها الزوجية موجات مد وجزر بين حب وهجر وطلاق، جاء إنتاجها الغنائى مواكبا لتلك الموجات، فانحسر ذلك الإنتاج أو كاد أن يتوقف أثناء زواجها الأول، وبلغ أعلى مستوياته خلال زواجها الثانى، وتعثر حتى توقف تماما مع زواجها الثالث، ولنستعرض هنا نماذج لما غنته أحلام للأسرة، ولنبدأ هنا بأغنية "يابيت أبويا" والتى أذيعت لأول مرة فى شهر يناير من عام 1957 م، وتبدأ هذه الأغنية الجميلة التى تتحدث عن عرفان الابنة بفضل البيت الذى تربت فيه بالأبيات التالية:
يابيت أبويه معزتك فى عينيه
ماشفت منك غير ليالى هنيه
ونتبع هذه الأغنية التى تعد من الأغنيات النادرة التى اهتمت بالأب فى غنائنا المصرى والعربى بأغنية "توب الفرح"، والتى أذيعت لأول مرة فى السابعة والريع بعد مغرب يوم الأحد الثانى من شهر رمضان سنة 1374 هـ والموافق 1955/4/24 م، وفيما يلى نقدم نص هذه الأغنية الجميلة التى وضع لها محمود الشريف لحنا من مقام النهاوند ومستخدما إيقاع الرومبا الذى كان منتشرا فى ذلك العهد:
توب الفرح ياتوب مغزول من الفرحة
فاضل يومين يادوب وألبس لك الطرحة
توب الفرح
ياحلم كل صغيره متحيره عشانك إنت
ح تلبسك ياهلترى وياترى لمين وإمتى
وتلبس الطرحة مغزولة م الفرحة
توب الفرح ياتوب يا تللى تساوى بوسة وألف
بوسة ياحلو ياللى فيك الصبية تبقى
عروسة ح ألبس لك الطرحة مغزولة م
الفرحة
توب الفرح يا أغلى فرحة فى العمر كله وشوش
حبيبى بكره وقول له
تعالى نتصور والشمع بينور
وألبس لك الطرحة مغزولة م الفرحة
توب الفرح
وبعد زواجها من زوجها الأول، تحركت فى نفس أحلام مشاعر الأمومة، وتوافقت تلك المشاعر مع كلمات أغنية "المهد" والتى كانت من نظم محمود بيرم التونسى، وكانت الأغنية من ألحان محمود الشريف، وهنا لابد من وقفة مع العملاق محمود الشريف الذى قدم لصوت أحلام معظم أغنياتها المشهورة، أليس من الغريب حقا أن أشهر أغنيات أحلام وأكثرها جماهيرية مثل "الصبر" و"توب الفرح" و "بيت أبويا" و"يا حمام البر" كانت جميعها من ألحان محمود الشريف؟، لقد عبر الكاتب الصحفي جليل البندارى عن المعنى الكامن وراء التساؤل السابق وبصياغة أخرى فقال: "ولقد لحن لها (الضمير يعود لأحلام) الموجى ألحانا كثيرة، وكان يحبها فتزوجها ثم طلقها، وفى جميع هذه الفترات لم يستطع أن يقدم لها لحنا واحدا يمكن أن يرتفع الى مستوى ألحان الشريف التى تغنيها!" (جليل البندارى: أحلام تفقد الأحلام مع الإذاعة وألحان الموجى، آخر ساعة، 1961/11/1 م)، عمل توافق مشاعر أحلام مع لحن الشريف الهادى الذى يحاكى هدهدة أم لطفلها على نجاح أغنية "المهد" نجاحا لم يتحقق أو حتى مايقرب منه لأى من أغنيات أحلام الأخرى، حيث فازت الأغنية بالجائزة الفضية فى مسابقة منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو) للأغنيات التربوية والتى عقدت بمدينة فلورنسا الإيطالية فى عام 1961 م (محمد سعيد. مصدر سابق، ص ه 16)، ويتكون مطبع الأغنية من الأبيات التالية:
فى المهد المنصان فى رعاية الرحمن
نام فى أمان وسلام نام ياحبيبى نام
تنوع وثراء لم تكن أغنيات أحلام كلها وقفا على الوطن والأسرة، لان صوتها الجميل إنطلق ليغنى لكل ماهو جميل وأصيل فى حياتنا، فامتد عطاؤها ليثرى مجالات متعددة مثل: الأغنيات الدينية- أغنيات الصباح- الأغنيات العاطفية والأغنيات الوصفية، ولعل فى استعراض بعض ما شدت به من أغنيات فى كل مجال من هذه المجالات ما يوضح للقارئ إلى أى مدى بلغ غناء أحلام من تنوع وثراء.
اهتمت أحلام بالغناء الدينى منذ أغنياتها الأولى، وقد ذكرنا قبلا أن أول أغنية قدمتها أحلام بعد اشتهارها واثر إذاعة أغنية "الصبر" كانت الأغنية الدينية "فى السما والارض زينة" التى أذيعت فى 1948/3/10 م، ثم قدمت أحلام أغنيتها الدينية الثانية فى مساء الثلاثاء 26 ذو الحجة من سنة 1368 هـ والموافق 1949/10/18 م، وهى أغنية "عودة الحجاج" والتى عرفت فيما بعد باسم "مبروك ياللى حجيت"، كانت تلك الأغنية من تأليف جميل أمين ومن ألحان محمود الشريف، وقد انقضى من الزمن قرابة الخمسة أعوام قبل أن تقدم أحلام أغنيتها الدينية الثالثة، وهى أغنية "جمال الله" والتى كانت من نظم عبد الفتاح مصطفى ومن تلحين محمود الشريف، وقد أذيعت أغنية "جمال الله" للمرة الأولى قبل عشر دقائق من السابعة مساء الثلاثاء4 رمضان سنة 1374 هـ والموافق 1955/4/26 م، ومن أغنيات أحلام الدينية نذكر الأغنيتين التاليتين مع بيان أسماء مؤلفيهما وملحنيهما وتاريخ الإذاعة الأولى لكل أغنية ة (موكب النور: على الفقى- إبراهيم حجاج، 1955/8/7 م) و (مواكب الملائكة: على سليمان وإبراهيم البهلوان- أحمد عبدالقادر غناء أحلام وأحمد عبدالقادر، 1956/4/11 م) ، ولأحلام أغنيات دينية أخرى مثل: "سبحانك سبحان الله"- "الزهرة البرية "- "بيوت الله" و"من فوق سبع سماوات"، وهى أغنيات ذاعت فى الستينيات، ولم تتح المصادر المتاحة أى قدر من المعلومات الضرورية واللازمة لتوثيقها، إن ما قدمته أحلام من غناء دينى يعكس نشأتها المحافظة فى ميت غمر وفى حى الداودية بالقاهرة، ويشى أداؤها المتبتل والمشبع بروح الخشوع والتضرع بما انطوت عليه نفسها من مشاعر تدين حقيقى.
أسهمت أحلام بسهم وافر فى مجال أغنيات الصباح، وهى وفرة لا تقاس بالعدد وإنما تقاس بالقيمة وخلود العمل، كانت أغنية "الفجر لاح" التى تغنت بها أحلام ولأول مرة فى 1949/6/28 م هى أغنيتها الأولى فى هذا المجال، ويمكن القول بأن لأحلام أغنيات كثيرة يستطيع المستمع أن يعدها من أغنيات الصباح، وذلك لما تسبغه على مستمعها من بشر وتفاؤل وبهجة، وتعد أغنية "يا نسمة الصباح" أشهر أغنيات أحلام فى هذا المجال، بل ويمكن القول بأنها من أشهر أغنيات الصباح التى اعتاد المستمعون على استقبال يومهم بها طوال سنوات قاربت نصف القرن، والأغنية التى كانت من تأليف إبراهيم رجب وتلحين فؤاد حلمى أذيعت لأول مرة فى الإذاعة المصرية فى السابعة والنصف من صباح الخميس 1955/8/25 م، ولعل فى تقديم نص هذه الأغنية الجميلة هنا ما يذكر البعض من القراء بصباحات الأيام الجميلة التى كانوا يستقبلونها مع صوت أحلام الهادئ مترنما بلحن فؤاد حلمى الرائع للكلمات التالية.
يانسمة الصباح يامعطره الجناح
مليتى جونا بالبشرة والهنا
يانسمة الصباح
وصحينا كلنا فى بهجة وإنشراح
نجدد المجال لرزقنا الحلال
يانسمة الصباح ياورد ع الغصون ياساحر العيون
فرحت قلبنا ببسمة المنى
وف ضحكتك لنا كل الصعاب تهون
يا نسمة الصباح
كلمات بسيطة ومفرطة الجمال فى أن واحد، يصاحبها لحن رشيق راقص، يترنم بها صوت جمع وفى كل مراحله بين التكوين الفنى الدقيق وبين حساسية الأداء ودقة التعبير، فتنشرح الصدور وتمتلئ النفوس بالأمل حين تستقبل الصباح مع "يا نسمة الصباح"، ولأحلام أغنية أخرى جميلة من أغنيات الصباح، أغنية دأبت الإذاعة على تقديمها دوما فى فترة إرسالها الصباحى، ومن الغريب حقا أن هذه الأغنية قدمت أيضا فى عام 1955، وهو العام الذى شهد ذروة من ذروات إنتاج أحلام الغنائى، والأغنية المعنية هى أغنية "حب الرمان" والتى كانت من نظم مرسى جميل عزيز ومن ألحان على إسماعيل، وقد أذيعت هذه الأغنية للمرة الأولى فى يوم السبت 1955/12/24 م وتبدأ أغنية "حب الرمان" بالمقطعين التاليين:
حب الرمان كان ورد
زمان على عود نعسان
والهوى صحاه وناداه
وسقاه
أشكال وألوان
حب الرمان الهوى
صحاه وناداه وسقاه
شربات معقود من ورد
خدود
أشكال وألوان كلام جميل من ذوب نفوس شاعرة، أعطته مواهب حقيقية أنغاما معبرة، وترنمت به أصوات ملائكية مقتدرة، فحفظه الناس واحتضنه تاريخ الغناء فى أعز منازله، ويتبقى أن نذكر هنا أن لأحلام أكثر من أغنية جميلة أخرى من أغنيات الصباح، نذكر من هذه الأغنيات أغنية "أصح يا محبوبى" والتى كانت من تأليف على سليمان ومن ألحان سيد مكاوى، وقد أذيعت تلك الأغنية لأول مرة من البرنامج العام للإذاعة المصرية قبل ربع الساعة من الثامنة صباح الأحد الموافق 1957/2/3 م، ونذكر أيضا من أغنيات الصباح التى قدمتها أحلام قصيدة "صورة الإشراق" التى كانت من شعر إمام الصفطاوى وألحان أحمد عبدالقادر.
يتبقى الآن من مجالات الغناء التى طرقها صوت أحلام كل من مجالى الأغنيات العاطفية والوصفية، ولأحلام فى مجال الأغنيات العاطفيةــ شأنها فى ذلك شأن، كل الأصوات الصغير منها قبل الكبير- رصيد كبير، مما لايسمح فيما تبقى من المقال أن نستعرض عددا كبيرا منها، ويمكن أن يكون فى النماذج التالية الكفاية لإعطاء تصور عام لما أثرى به صوت أحلام الغناء العاطفى فى تراث الغناء المصرى، ومن المهم التذكير أولا بان البيان التالى للنماذج المختارة من أغنيات أحلام العاطفية سوف يثبت أسماء المؤلفين والملحنين الى جانب تاريخ الإذاعة الأولى لكل أغنية: (نداء الحب: إمام الصفطاوى- أحمد عبدالقادر، 1955/1/10 م)- عتاب: مصطفى عبدالرحمن - كمال الطويل، 1955/4/23 م)- كلامك أسرنى : سعد عبدالغنى سلام- محمود الشريف، 1956/12/5 م)- (يا أغلى من الحياة عندى: محمد طلعت- الصاغ السعودى طارق عبدالحكيم، 1956/3/11 م)- حبيبى : عبدالفتاح عسل- أحمد صدقى، 1956/5/11 م) و (طول ما أنت بتحبنى: إبراهيم رجب- محمد الموجى، 12/5/1956 م)، إن هذه النماذج من أغنيات أحلام العاطفية تكشف عن ملاحظتين هامتين، تتمثل أولاهما فى الوتيرة السريعة التى سجلت بها أحلام أغنياتها فى الأعوام الثلاثة التى تمتد ما بين 1955 و1957 م، مما يمكن القول معه بان تلك الفترة تعد أكثر مراحل العمر الغنائى لأحلام ثراء بالإنتاج، وأما الملاحظة الثانية فإنها تتعلق بأغنية "يا أغلى من الحياة عندى"، والتى تعد إحدى الأغنيات القلائل التى سجلها بمصر الملحن السعودى ورائد الغناء السعودى: الموسيقار طارق عبدالحكيم، وقد كان أيامها ضابطا بالجيش السعودى ويتلقى تدريبا فى القاهرة على علوم الموسيقات العسكرية، وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على ما قدمته أحلام من أغنيات وصفية، فسوف نجد أغنيات كثيرة نختار منها المجموعة التالية والتى تتضمن كما سبق التنويه أسماء الشعراء والملحنين وتاريخ الإذاعة الأولى: (الدنيا حلوة: مرسى جميل عزيز - محمود الشريف، 1955/1/22 م)- (الجنة الخضراء: على زهران- عطية شرارة، 1955/9/11 م) و(شفايف الورد. عبدالفتاح مصطفى- يوسف شوقى، 1958/1/8 م).
الصبر على الغناء لم يكن طريق أحلام فى عالم الغناء ممهداً أو مفروشاً بالورود، إذ لم يخل طريقها من الصعاب والمشاكل، ولعل أهم هذه الصعاب هو انقطاعها عن الغناء لفترات تعد بالسنوات، كانت أحداث حياتها الأسرية هى السبب فى بعض هذه الانقطاعات، بينما بدت بعض الفترات مفتقرة إلى الأسباب أو بدون تفسير منطقى، ومن النوع الأخير من فترات توقف أحلام عن الغناء الفترة فيما بين عام 1942 م و 1947 م، والتى كانت فاصلاً بين بداية مشجعة غنت فيها رائعة السنباطى "الدنيا فى إيدى" وبين شهرة كاسحة جاءت بها أغنيتها الخالدة "الصبر"، حتى استحقت من النقاد والجم!ر لقب "مطربة الصبر"، كان صبرها جميلا وقويا وهى ترى من هم أقل منها موهبة وقدرة يستأثرون باهتمام الإعلام وبأكثر ساعات الإرسال الإذاعى إقبالا لدى الجمهور، والمعنى بذلك ساعات السهرة، وليراجع أى مهتم الآن مواقيت إذاعة أغنيات أحلام الجديدة فى سجلات برامج الإذاعة المحفوظة بأعداد مجلة "الإذاعة" بأسمائها المختلفة، ليجد أن الإذاعة كانت تقدم دوماً أغنيات أحلام التى خلدت فى تاريخ الغناء المصرى خلال ساعات الضحى أو بعد الظهر، وهى أوقات لا يستمع فيها إلى الإذاعة أحد سوى النساء القابعات فى بيوتهن أو بعض من تسمح أعمالهم بسماع الإرسال الإذاعى فى تلك الأوقات (الميتة) بلغة أهل الإذاعة أنفسهم، وتكرر الأمر نفسه- وهو المنع أو الإقلال من إتاحة الفرص- فى ظهور أحلام عبر برامج الحفلات الغنائية المسرحية، والتى كان أشهرها برنامج "أضواء المدينة"، والثابت أمامنا الآن أن مشاركات أحلام فى ذلك البرنامج الجماهيرى خلال سنواته الأولى، وهى نفسها سنوات ذروة عطاء أحلام لفق الغناء، كانت أقل من أن !ق بصوت ناشىء وليس صوتاً نادراً يمتد عطاؤه- عند بدايات البرنامج- إلى قرابة العقدين من السنوات، إن من يستمع الآن إلى الحوار الغنائى بين صوتى أحلام وكارم محمود فى الثنائية الغنائية (الدويتو) "على قد الليل ما يطول" من آوبريت "العشرة الطيبة" لسيد درويش، سوف يتملكه العجب إزاء القدرات الغنائية الرائعة لتلك الأصوات المقتدرة التى لم تعرف العيوب إليها طريقا، وهى أصوات كانت الأجدر بإحياء تلك الحفلات من بعض (المونولوجست) والأصوات الصغيرة، وإزاء التجاهل والإهمال. تكررت شكوى أحلام فى لقاءاتها الصحفية والإعلامية، ولكن أحدا أيامها لم يكن يستمع أو يبالى.
لكل ذلك وربما لأسباب أخرى.. لم تجد أحلام بأساً فى مغادرة مصر لترافق زوجها محمود سماحة أثناء عمله بالجمهورية الليبية، وعندما عادت مع زوجها إلى القاهرة قرابة السنوات الأخيرة من السبعينيات، كان كل شئ فى عالم الغناء المصرى قد تغير، كانت أصوات مطربى ومطربات الدرجة الثالثة تحتل معظم ساعات الإرسال فى الإذاعة والتليفزيون، وكان الناس يرددون فى الشارع وفى المنازل ووسائل المواصلات كلمات أغنيات عن "الطشت الذى قال لصاحبته قومى اغتسلى" وعن "قلقشندى الذى ذبح كبشه"، كان هجوم هذه الأصوات وبعد نكسة 1967 م متوقعاً وكما تنبأ به قبل ذلك بسنوات محمود الشريف، حيث قال الشريف.
"إن أى (هلفوت) فى صوته ثلاث مقامات مثلاً، يمكن له أن يصير مطرباً تردد أسمه الصحف وتصفق له الناس!" (الجمهورية: 1960/7/16، ص 14)، واكتمل خراب الغناء المصرى برحيل العمالقة الذى بدأ بفريد الأطرش، ثم تبعته أم كلثوم فى مناسبة الأربعين لرحيله، ولحق بهما عبدالحليم حافظ بعد أقل من ثلاث سنوات، فلم يكن بيد أحلام سوى اعتزال الغناء والشكوى فى كل لقاءاتها بوسائل الإعلام من تجاهل الإذاعة والتليفزيون لصوتها (أمانى فريد. مطربة الصبر والعطارين أين هى الآن؟، الكواكب، 11/11/ 1980 م)، حتى أصابتها أزمة قلبية فى الساعات الأولى من مساء 1997/5/17 م، فلم تمهلها كثيراً لتتلقى الإسعافات اللازمة أو لتنقل إلى مستشفى قريب، ورحلت فى هدوء من كان الصبر نصيبها فى الدنيا وسبب شهرة صوتها الفريد الذى قد لا يتكرر فى أيامنا هذه.